في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ} (52)

23

وتتلاشى آماد الزمان ، وأبعاد المكان ، أمام وحدة الحقيقة التي جاء بها الرسل . ووحدة الطبيعة التي تميزهم . ووحدة الخالق الذي أرسلهم . ووحدة الاتجاه الذي يتجهونه أجمعين :

( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ} (52)

{ وَإِنَّ هذه } أي الملة والشريعة ، وأشير إليها بهذه للإشارة إلى كمال ظهور أمرها في الصحة والسداد وانتظامها بسبب ذلك في سلك الأمور الشاهدة { أُمَّتُكُمْ } أي ملتكم وشريعتكم والخطاب للرسل عليهم السلام على نحو ما مر ؛ وقيل عام لهم ولغيرهم وروى ذلك عن مجاهد ، والجملة على ما قال الخفاجي عطف على جملة { إني بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } [ المؤمنون : 51 ] فالواو من المحكى ، وقيل هي من الحكاية وقد عطفت قولاً على قول ، والتقدير قلنا يا أيها الرسل كلوا الخ وقلنا لهم إن هذه أمتكم ولا يخفى بعده .

وقيل : الواو ليست للعطف والجملة بعدها مستأنفة غير معطوفة على ما قبلها وهو كما ترى ، وقوله سبحانه : { أُمَّةً وَاحِدَةً } حال مبنية من الخبر والعامل فيها معنى الإشارة أي أشير إليها في حال كونها شريعة متحدة في الأصول التي لا تتبدل بتبدل الأعصار ؛ وقيل : { هذه } إشارة إلى الأمم الماضية للرسل ، والمعنى أن هذه جماعتكم جماعة واحدة متفقة على الايمان والتوحيد في العبادة { وَأَنَاْ رَبُّكُمْ } أي من غير أن يكون لي شريك في الربوبية ، وهذه الجملة عطف على جملة { إِنَّ هذه } الخ المعطوفة على ما تقدم وهما داخلان في حيز التعليل للعمل الصالح لأن الظاهر أن قوله سبحانه : { إني بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } [ المؤمنون : 51 ] تعليل لذلك ، ولعل المراد بالعمل الصالح ما يشمل العقائد الحقة والأعمال الصحيحة ، واقتضاء المجازاة والربوبية لذلك ظاهر وأما اقتضاء اتحاد الشريعة في الأصول التي لا تتبدل لذلك فباعتبار أنه دليل حقية العقائد وحقيتها تقتضي الاتيان بها والإتيان بها يقتضي الاتيان بغيرها من الأعمال الصالحة بل قيل لا يصح الاعتقاد مع ترك العمل ، وعلى هذا يكون قوله تعالى : { فاتقون } كالتصريح بالنتيجة فيكون الكلام نظير قولك : العالم حادث لأنه متغير وكل متغير حادث فالعالم حادث .

وفي إرشاد العقل السليم أن ضمير الخطاب في قوله تعالى : { رَبُّكُمْ } وفي قوله سبحانه : { فاتقون } للرسل والأمم جميعاً على أن الأمر في حق الرسل للتهييج والإلهاب وفي حق الأمة للتحذير والإيجاب ، والفاء لترتيب الأمر أو وجوب الامتثال به على ما قبله من اختصاص الربوبية به سبحانه واتحاد الأمة فإن كلاً منهما موجب للاتقاء حتماً ، والمعنى فاتقون في شق العصا والمخالفة بالإخلال بموجب ما ذكر .

وقرأ الحرميان . وأبو عمرو { وَأَنْ } بفتح الهمزة وتشديد النون ، وخرج على تقدير حرف الجر أي ولأن هذه الخ ، والجار والمجرور متعلق باتقون ، قال الخفاجي : والكلام في الفاء الداخلة عليه كالكلام في فاء قوله تعالى : { فإياي فارهبون } [ النحل : 51 ] وهي للسببية وللعطف على ما قبله وهو { اعملوا } [ المؤمنون : 51 ] والمعنى اتقوني لأن العقول متفقة على ربوبيتي والعقائد الحقة الموجبة للتقوى انتهى ، ولا يخلو عن شيء ، وجوز أن تكون { إِنَّ هذه } الخ على هذه القراءة معطوفاً على { بمَا تَعْمَلُونَ } [ المؤمنون : 51 ] والمعنى أني عليم بما تعملون وبأن هذه أمتكم أمة واحدة الخ فهو داخل في حيز المعلوم . وضعف بأنه لا جزالة في المعنى عليه ، وقيل : هو معمول لفعل محذوف أي واعملوا أن هذه أمتكم الخ وهذا المحذوف معطوف على { اعملوا } ولا يخفى أن هذا التقدير خلاف الظاهر .

وقرأ ابن عامر { وَأَنْ } بفتح الهمزة وتخفيف النون على أنها المخففة من الثقيلة ويعلم توجيه الفتح مما ذكرنا .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ} (52)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وإن هذه أمتكم أمة واحدة} يقول: هذه ملتكم التي أنتم عليها، يعني: ملة الإسلام، ملة واحدة، عليها كانت الأنبياء، عليهم السلام، والمؤمنون الذين نجوا من العذاب، الذين ذكرهم الله عز وجل، في هذه السورة، ثم قال سبحانه: {وأنا ربكم فاتقون}، يعني: فاعبدون بالإخلاص.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

اختلفت القرّاء في قراءة قوله:"وَإنّ هَذِهِ أمّتُكُمْ أُمّةً وَاحدَةً"؛ فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة: «وأنّ» بالفتح، بمعنى: إني بما تعملون عليم، وأن هذه أمتكم أمة واحدة... ويكون معنى الكلام حينئذٍ: واعلموا أن هذه... وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين بالكسر: وَإنّ هذه على الاستئناف. والكسر في ذلك عندي على الابتداء هو الصواب، لأن الخبر من الله عن قيله لعيسى: يا أيّها الرُسُلُ مبتدأ، فقوله: "وَإنّ هَذِهِ "مردود عليه عطفا به عليه فكان معنى الكلام: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات، وقلنا: وإن هذه أمتكم أمة واحدة. وقيل: إن الأمة الذي في هذا الموضع: الدّين والملة...

وقوله: "وأنا رَبّكُمْ فاتّقُونِ "يقول: وأنا مولاكم فاتقون بطاعتي تأمنوا عقابي.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قوله تعالى: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة} جائز أن يكون قوله: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة} في الكتب المتقدمة وعلى لسان الرسل السالفة كقوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} (آل عمران: 110) أي كنتم خير أمة في الكتب المتقدمة وفي الأمم الماضية. فعلى ذلك هذا. وقال بعضهم: قوله: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة} أي دينكم دين واحد، وملتكم ملة واحدة، وهي الإسلام.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

معبودكم واحدٌ ونبيُّكم واحد، وشرعكم واحد؛ فأنتم في الأصول شرعٌ سواءٌ، فلا تسلكوا ثِنْيَاتِ الطرق فتطيحوا في أودية الضلالة، وعليكم باتباع سَلَفِكم، واحذروا موافقة ابتداع خَلَفكم.

{وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} خافوا مخافة أمري، واعرفوا عظيمَ قَدْرِي، واحفظوا في جريان التقدير سِرِّي، واستديموا بقلوبكم ذكري، تجدوا في مآلكم غفري، وتَحْظَوْا بجميلِ بِرِّي.

معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :

{وأنا ربكم فاتقون} أي: اتقوني لهذا. وقيل: معناه أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم، فأمركم واحد {وأنا ربكم فاتقون}: فاحذورن.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

المعنى أنه كما يجب اتفاقهم على أكل الحلال والأعمال الصالحة فكذلك هم متفقون على التوحيد وعلى الاتقاء من معصية الله تعالى. فإن قيل لما كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحدا؟ قلنا المراد من الدين ما لا يختلفون فيه من معرفة ذات الله تعالى وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يسمى اختلافا في الدين... ويدل على ذلك قوله: {وأنا ربكم فاتقون} فكأنه نبه بذلك على أن دين الجميع واحد فيما يتصل بمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه فلا مدخل للشرائع، وإن اختلفت في ذلك.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{أمتكم} أي مقصدكم الذي ينبغي أن لا توجهوا هممكم إلى غيره، أو جماعة أتباعكم حال كونها {أمة واحدة} لا شتات فيها أصلاً، فما دامت متوحدة فهي مرضية {وأنا ربكم} أي المحسن إليكم بالخلق والرزق وحدي، فمن وحدني نجا، ومن كثر الأرباب هلك. ولما كان الخطاب في هذه السورة كلها للخلص من الأنبياء ومن تبعهم من المؤمنين، قال: {فاتقون} أي اجعلوا بينكم وبين غضبي وقاية من جمع عبادي بالدعاء إلى وحدانيتي بلا فرقة أصلاً، بخلاف سورة الأنبياء المصدرة بالناس فإن مطلق العبارة أولى بدعوتها.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وتتلاشى آماد الزمان، وأبعاد المكان، أمام وحدة الحقيقة التي جاء بها الرسل. ووحدة الطبيعة التي تميزهم. ووحدة الخالق الذي أرسلهم. ووحدة الاتجاه الذي يتجهونه أجمعين...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وتقدم تفسير نظيرها في سورة الأنبياء، إلا أن الواقع هنا {فاتقون} وهناك {فاعبدون} [الأنبياء: 92] فيجوز أن الله أمرهم بالعبادة وبالتقوى، ولكن حكى في كل سورة أمراً من الأمرين، ويجوز أن يكون الأمران وقعا في خطاب واحد، فاقتصر على بعضه في سورة الأنبياء وذكر معظمه في سورة المؤمنين بحسب ما اقتضاه مقام الحكاية في كلتا السورتين. ويحتمل أن يكون كل أمر من الأمرين: الأمر بالعبادة والأمر بالتقوى. قد وقع في خطاب مستقل تماثَل بعضُه وزاد الآخر عليه بحسب ما اقتضاه مقام الخطاب من قصد إبلاغه للأمم كما في سورة الأنبياء، أو من قصد اختصاص الرسل كما في سورة المؤمنين. ويرجح هذا أنه قد ذكر في سورة المؤمنين خطاب الرسل بالصراحة...

وأيّاً مَّا كان من الاحتمالين فوجه ذلك أن آية سورة الأنبياء لم تذكر فيها رسالات الرسل إلى أقوامهم بالتوحيد عدا رسالة إبراهيم في قوله: {ولقد آتينا إبراهيم رشده} [الأنبياء: 51] ثم جاء ذكر غيره من الرسل والأنبياء مع الثناء عليهم وطال البعد بين ذلك وبين قصة إبراهيم فكان الأمر بعبادة الله تعالى، أي إفراده بالعبادة الذي هو المعنى الذي اتحدت فيه الأديان. أولى هنالك لأن المقصود من ذلك الأمر أن يبلغ إلى أقوامهم، فكان ذكر الأمر بالعبادة أولى بالمقام في تلك السورة لأنه الذي حظُّ الأمم منه أكثر. إذ الأنبياء والرسل لم يكونوا بخلاف ذلك قط فلا يقصد أمر الأنبياء بذلك إذ يصير من تحصيل الحاصل إلا إذا أريد به الأمر بالدوام. وأما آية هذه السورة فقد جاءت بعد ذكر ما أرسل به الرسل إلى أقوامهم من التوحيد وإبطال الشرك فكان حظ الرسل من ذلك أكثر كما يقتضيه افتتاح الخطاب ب {يا أيها الرسل} [المؤمنون: 51] فكان ذكر الأمر بالتقوى هنا أنسب بالمقام لأن التقوى لا حد لها، فالرسل مأمورون بها وبالازدياد منها كما قال تعالى في حق نبيّه {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه} [المزمل: 1، 4] ثم قال في حق الأمة {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] الآية. وقد مضى في تفسير سورة الأنبياء شيء من الإشارة إلى هذا ولكن ما ذكرناه هنا أبسط فضُمَّه إليه وعوّل عليه.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} في وحدة الرسالة المتحركة في خط التوحيد والشريعة المنطلقة باتجاه هدف واحد هو إقامة الحياة على كلمة الله، وتحصيل رضاه بذلك.. وهذا ما يجمع الدعاة إلى الله والأدلاّء عليه، بعيداً عن العلاقات الشخصية والمنافع الذاتية، وهو ما يضمّ المؤمنين في دائرة الوحدة، بعيداً عن الأوضاع العائلية والعرقية والإقليمية ونحو ذلك مما يختلف فيه الناس ويتوحّدون. فلا بد من إقامة الوحدة على هذا الأساس، بحيث يشكل القاعدة والمنطلق مع مراعاة الوحدات الإنسانية الصغيرة أو الكبيرة في ذات المؤمن، والجانب العاطفي الذي يربطه فيها، فالإسلام لا يريد إلغاء العنصر الإنساني الذاتي من أحاسيس الإنسان ومشاعره، بل كل ما يريده هو أن لا يؤثر على حركة المسؤولية الرسالية في حياته، {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} فالقضية التي يجب أن تحكم علاقة الإنسان بربه في خطواته العملية هي قضية التقوى في كل أفعاله وأقواله وعلاقاته، لأنها هي التجسيد الحقيقي للإحساس بالعبودية المطلقة لله، فلا معنى لعبد لا يراقب سيّده الذي هو ربّه وخالقه.