{ وَرَأَى المجرمون النار } وضع المظهر في مقام المضمر تصريحاً بإجرامهم وذماً لهم بذلك ، والرؤية بصرية ، وجاء عن أبي سعيد الخدري كما أخرجه عنه أحمد . وابن جرير . والحاكم وصححه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن الكافر ليرى جهنم من مسير أربعين سنة " { فَظَنُّواْ } أي علموا كما أخرجه عبد الرزاق ، وجماعة عن قتادة ، وهو الظاهر من حالهم بعد قول الله تعالى ذلك واستغاثتهم بشركائهم وعدم استجابتهم لهم وجعل الموبق بينهم .
وقيل الظن على ظاهره وهم لم يتيقنوا { أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا } أي مخالطوها واقعون فيها لعدم يأسهم من رحمة الله تعالى قبل دخولهم فيها ، وقيل إنهم لما رأوها من بعيد كما سمعت في الحديث ظنوا أنها تخطفهم في الحال فإن اسم الفاعل موضوع للحال فالمتيقن أصل الدخول والمظنون الدخول حالاً . وفي مصحف عبد الله { ملاقوها } وكذلك قرأ الأعمش . وابن غزوان عن طلحة ، واختير جعلها تفسيراً لمخالفتها سواد المصحف ، وعن علقمة أنه قرأ { ملافوها } بالفاء مشددة من لف الشيء { مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا } أي مكاناً ينصرفون إليه .
أزهير هل عن شيبة بن مصرف*** أم لا خلود لباذل متكلف
فهو اسم مكان ، وجوز أن يكون اسم زمان ، وكذا جوز أبو البقاء وتبعه غيره أن يكون مصدراً أي انصرافاً ، وفي «الدر المصون » أنه سهو فإنه جعل مفعل بكسر العين مصدراً من صحيح مضارعه يفعل بالكسر وقد نصوا على أن مصدره مفتوح العين لا غير واسم زمانه ومكانه مكسورها ، نعم إن القول بأنه مصدر مقبول في قراءة زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { مَصْرِفًا } بفتح الراء .
ثم بين - سبحانه - حالة المجرمين عندما يبصرون النار فقال : { وَرَأَى المجرمون النار فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً } .
ورأى هنا بصرية . والظن بمعنى اليقين والعلم ، لأنهم أبصروا الحقائق ، وشاهدوا واقعهم الأليم مشاهدة لا لبس فيها ولا خفاء .
أى : وشاهد المجرمون بأعينهم النار ، فأيقنوا أنهم مخالطوها وواقعون فيها . بسبب سوء أعمالهم ، وانكشاف الحقائق أمامهم ، ولم يجدوا عنها مصرفا أى مكانا ينصرفون إليه ، ويعتصمون به ليتخذوه ملجأ لهم منها .
فالمصرف : اسم مكان للجهة التى ينصرف إليها الإِنسان للنجاة من ضر أحاط به .
وعبر - سبحانه - عن رؤيتهم للنار بالفعل الماضى ، لتحقق الوقوع .
وقال - سبحانه - { ورأى المجرمون } فوضع المظهر موضع المضمر ، لتسجيل الإِجرام عليهم ، ولزيادة الذم لهم .
وقد ذكر - سبحانه - هنا أن المجرمين يرون النار ، وذكر فى آية أخرى أنها تراهم - أيضا - قال - تعالى - : { إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً }
قوله : ( وراء المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ) ( المجرمون ) من مشركين وجاحدين ومضلين سيلاقون من الكروب والأهوال يوم القيامة ما تتقطع منه القلوب وتتزلزل لفظاعته الأبدان . ومن جملة ذلك : أن يعاينوا النار ، فإذا عاينوها أيقنوا وتحققوا أنهم واقعون فيها لا محالة ( ولم يجدوا عنها مصرفا ) ليس لهم من دون النار مهرب يفرون إليه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.