في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} (31)

26

( إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ) .

وإبليس خلق آخر غير الملائكة . فهو من نار وهم من نور . وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . وهو أبى وعصى . فليس هو من الملائكة بيقين . أما الاستثناء هنا فليس على وجهه . إنما هو كما تقول : حضر بنو فلان إلا أحمد . وليس منهم . إنما هو معهم في كل مكان أو ملابسة . وأما أن الأمر المذكور للملائكة : ( وإذ قال ربك للملائكة ) . . فكيف شمل إبليس ? فإن صدور الأمر إلى إبليس يدل عليه ما بعده ، وقد ذكر صريحا في سورة الأعراف : ( قال : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ? ) . . وأسلوب القرآن يكتفي بالدلالة اللاحقة في كثير من المواضع . فقول الله تعالى له : ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ? ) . . قاطع في أن الأمر قد صدر له . وليس من الضروري أن يكون هذا الأمر هو أمره للملائكة . فقد يصدر إليه معهم لاجتماعه بهم في ملابسة ما . وقد يصدر إليه منفردا ولا يذكر تهوينا لشأنه وإظهارا للملائكة في الموقف . ولكن المقطوع به من النصوص ومن دلالة تصرفه أنه ليس من الملائكة . وهذا ما نختاره .

وعلى أية حال فنحن نتعامل هنا مع مسلمات غيبية لا نملك تصور ماهياتها ولا كيفياتها في غير حدود النصوص . لأن العقل كما أسلفنا لا سبيل له في هذا المجال بحال من الأحوال .

/خ48

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} (31)

قوله : { إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين } إبليس مشتق من الإبلاس وهو اليأس{[2453]} ، المراد : أن إبليس أيس من رحمة الله ، فلا أمل ولا رجاء له في خير أو رحمة البتة .

أما الاستثناء فقد قيل : إنه متصل ، والمعنى : أن إبليس كان من الملائكة فلذلك استثناه . وقيل كان إبليس من جملة المأمورين بالسجود لآدم فلذلك استثناه من جملتهم . وقيل : الاستثناء هنا منقطع ، ومعناه لكن . وبذلك ليس إبليس من الملائكة بل كان من الجن وقد خلقه الله من نار ، وهو دائم الفسق والعصيان لله . أما الملائكة فهم خيار أبرار خلقهم الله من نور وهم لا يعصون الله ما أمرهم .

قوله : ( أبى أن يكون مع الساجدين ) الإباء معناه الامتناع . والسجود ، معناه وضعه الجبهة على الأرض . وأصله الانخفاض والانحناء وطأطأة الرأس{[2454]} . والمعنى المراد : أن إبليس امتنع من السجود لآدم كما أمره ربه غرورا واستكبارا أن يسجد مع الملائكة . فعصى إبليس بذلك عصيانه الشنيع ، وفسق عن أمر ربه ؛ فكان أشد الخليقة عتوا وتمردا واستكبارا{[2455]} .


[2453]:- المصباح المنير جـ1 ص 68 ومحتار الصحاح ص 63.
[2454]:- القاموس المحيط ص 366 ومحتار الصحاح ص 286.
[2455]:- التبيان جـ6 ص 332 وروح المعاني جـ7 ص 45، 46.