( إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ) .
وإبليس خلق آخر غير الملائكة . فهو من نار وهم من نور . وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . وهو أبى وعصى . فليس هو من الملائكة بيقين . أما الاستثناء هنا فليس على وجهه . إنما هو كما تقول : حضر بنو فلان إلا أحمد . وليس منهم . إنما هو معهم في كل مكان أو ملابسة . وأما أن الأمر المذكور للملائكة : ( وإذ قال ربك للملائكة ) . . فكيف شمل إبليس ? فإن صدور الأمر إلى إبليس يدل عليه ما بعده ، وقد ذكر صريحا في سورة الأعراف : ( قال : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ? ) . . وأسلوب القرآن يكتفي بالدلالة اللاحقة في كثير من المواضع . فقول الله تعالى له : ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ? ) . . قاطع في أن الأمر قد صدر له . وليس من الضروري أن يكون هذا الأمر هو أمره للملائكة . فقد يصدر إليه معهم لاجتماعه بهم في ملابسة ما . وقد يصدر إليه منفردا ولا يذكر تهوينا لشأنه وإظهارا للملائكة في الموقف . ولكن المقطوع به من النصوص ومن دلالة تصرفه أنه ليس من الملائكة . وهذا ما نختاره .
وعلى أية حال فنحن نتعامل هنا مع مسلمات غيبية لا نملك تصور ماهياتها ولا كيفياتها في غير حدود النصوص . لأن العقل كما أسلفنا لا سبيل له في هذا المجال بحال من الأحوال .
قوله : { إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين } إبليس مشتق من الإبلاس وهو اليأس{[2453]} ، المراد : أن إبليس أيس من رحمة الله ، فلا أمل ولا رجاء له في خير أو رحمة البتة .
أما الاستثناء فقد قيل : إنه متصل ، والمعنى : أن إبليس كان من الملائكة فلذلك استثناه . وقيل كان إبليس من جملة المأمورين بالسجود لآدم فلذلك استثناه من جملتهم . وقيل : الاستثناء هنا منقطع ، ومعناه لكن . وبذلك ليس إبليس من الملائكة بل كان من الجن وقد خلقه الله من نار ، وهو دائم الفسق والعصيان لله . أما الملائكة فهم خيار أبرار خلقهم الله من نور وهم لا يعصون الله ما أمرهم .
قوله : ( أبى أن يكون مع الساجدين ) الإباء معناه الامتناع . والسجود ، معناه وضعه الجبهة على الأرض . وأصله الانخفاض والانحناء وطأطأة الرأس{[2454]} . والمعنى المراد : أن إبليس امتنع من السجود لآدم كما أمره ربه غرورا واستكبارا أن يسجد مع الملائكة . فعصى إبليس بذلك عصيانه الشنيع ، وفسق عن أمر ربه ؛ فكان أشد الخليقة عتوا وتمردا واستكبارا{[2455]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.