في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ} (126)

114

ثم نعود إلى السياق القرآني :

إن هذه الموجة بجملتها تجيء كالتعقيب على قضية الذبائح التي سبق بيانها ؛ فترتبط هذه بتلك ، حزمة واحدة في السياق ، وحزمة واحدة في الشعور ، وحزمة واحدة في بناء هذا الدين . فقضية الذبائح هي قضية التشريع . وقضية التشريع هي قضية الحاكمية . وقضية الحاكمية هي قضية الإيمان . . ومن هنا يكون الحديث عن الإيمان على هذا النحو في موضعه المطلوب .

ثم يجيء التعقيب الأخير في هذا المقطع يربط هذه وتلك الرباط الأخير . . فهذه وتلك صراط الله المستقيم . والخروج في واحدة منهما هو الخروج عن هذا الصراط المستقيم . والاستقامة عليهما معاً . . العقيدة والشريعة . . هي الاستقامة على الصراط المؤدي إلى دار السلام ، وولاية الله لعباده الذاكرين :

( وهذا صراط ربك مستقيما . قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون . لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ) . .

هذا هو الصراط . . صراط ربك . . بهذه الإضافة المطمئنة الموحية بالثقة ؛ المبشرة بالنهاية . . هذه هي سنته في الهدى والضلال ؛ وتلك هي شريعته في الحل والحرمة . كلاهما سواء في ميزان الله ، وكلاهما لحمة في سياق قرآنه .

وقد فصل الله آياته وبينها . ولكن الذين يتذكرون ولا ينسون ولا يغفلون هم الذين ينتفعون بهذا البيان وهذا التفصيل . فالقلب المؤمن قلب ذاكر لا يغفل . وقلب منشرح مبسوط مفتوح . وقلب حي يستقبل ويستجيب .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ} (126)

قوله تعالى : { وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الأيت لقوم يذكرون ( 126 ) لهم دار السلم عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعلمون } مستقيما ، منصوب على الحال المؤكدة من صراط . وإنما كانت مؤكدة ، لأن صراط الله تعالى لا يكون إلا مستقيما{[1273]} والإشارة { هذا } عائدة إلى ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من المؤمنين الذين ارتضوا بمنهج الله سنة وسبيلا يسلكونه للنجاة في الدارين . وهذا هو طريق الله المستقيم . أي دينه الحق المبين الذي لا عوج فيه ولا ظلم ولا لغو . وإنما هو الدين العدل الصادق الذي يشمل الخير والاستقامة والصواب والحق كله . الحق بكل صوره ومعانيه ومقوماته . لا جرم أن الإسلام نظام الحياة الشامل الكامل . النظام الذي تستقيم عليه أحوال الأفراد والمجتمعات على مر الأيام والأزمان حتى يرث الله الحياة والعالمين .

قوله : { قد فصلنا الأيت لقوم يذكرون } أي بيانها ووضحناها وجعلناها مستبينة ميسرة لمن أراد أن يتدبر أو يتذكر . أو لمن كان يملك زمام عقله وفكره وشخصه فيتحرر بذلك من إسار التعصب أو الجهالة أو الحقد أو الهوى الجامح ليجد أن القرآن كلام الله السامق الفذ وأنه بروعته وعذوبته وجمال آيه وكلمه غاية الإعجاز الذي ليس له في الكلام نظير . وليجد كذلك أن الإسلام طريق الإنسانية إلى التفاهم والتعاون والسلام . وهو منهاجها الشامل المتكامل الذي يتناول قضايا العالمين ومشكلاتهم جميعا .


[1273]:- البيان لابن الأنباري ج 1 ص 339.