نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ} (126)

ولما ذكر ما ألزمه لأهل الضلال بلفظ ما يستقذر ، كان في غاية الحسن تعقيبه بالصراط ، فإنه مما يعشق لاستقامته وإضافته إلى الرب الذي له - مع استجماع الكمالات كلها - صفة العطف والإحسان واللطف ، وإضافة الرب إلى هذا الرسول الذي{[31155]} يعشق خلقه وخلقه كلُ من يراه أو يسمع به ، وأحسن من ذلك وأمتن أن مادة " رجس " تدور على الاضطراب الملزوم للعوج الملزوم للضلال المانع من الإيمان ، فلما مثل سبحانه حال الضال بحال المضطرب ، و{[31156]} أخبر أنه ألزم هذا الاضطراب كل من لا يؤمن ، أتبعه وصف سبيله بالاستقامة التي هي أبعد شيء عن الاضطراب الملزوم للعوج ، وكان التقدير : فهذا حال أهل الضلال ، فعطف عليه قوله : { وهذا } أي{[31157]} الذي ذكرناه من الشرائع الهادية في هذا القرآن التي ختمناها بأن الهادي المضل هو الله وحده ، لا الإتيان بالمقترحات ولو جاءت كل آية { صراط } أي طريق { ربك } أي المحسن إليك حال كون هذا الصراط { مستقيماً } أي{[31158]} لا عوج فيه أصلاً ، بل هو على منهاج الفطرة الأولى التي هي في أحسن تقويم بالعقل{[31159]} السليم الذي لم يشبه{[31160]} هوى ولم يشبه{[31161]} خلل في أن الأمر كله{[31162]} بيد الله{[31163]} لكيلا يزال الإنسان خائفاً من الله وراجياً له لأنه القادر على كل شيء ، وأما غيره فلا قدرة له إلاّ بتقديره لأنه خلق{[31164]} القوى والقدر عندنا وعند المعتزلة ، فلتكن الجزئيات كذلك لأن الخلق لا يتصور بغير علم ، وليس غير الله محيط العلم ؛ قال الإمام : فالآية التي قبلها من المحكمات ، فيجب إجراؤها على ظاهرها ، ويحرم التصرف فيها بالتأويل .

ولما كان جميع ما في هذا الصراط على منهاج العقل ليس شيء منه{[31165]} خارجاً عنه{[31166]} وإن كان فيه ما لا يستقل بإدراكه العقل ، بل لا بد له فيه من إرشاد الهداة{[31167]} من الرسل الآخذين على الله ، قال مبيناً لمدحه مرشداً إلى انتظامه مع العقل : { قد فصلنا } أي غاية التفصيل بما لنا من العظمة { الآيات } أي كلها فصلاً فصلاً{[31168]} بحيث تميزت تميزاً{[31169]} لا يختلط واحد منها بالآخر { لقوم يذكرون } أي يجهدون أنفسهم في التخلص من شوائب{[31170]} العوائق للعقل من الهوى وغيره - ولو على أدنى وجوه الاجتهاد بما يشير إليه الإدغام - ليذكروا أنه قال : ما من شيء ذكرناه إلاّ وقد أودعنا في عقولهم شاهداً عليه .


[31155]:سقط من ظ.
[31156]:سقط من ظ.
[31157]:سقط من ظ.
[31158]:سقط من ظ.
[31159]:في ظ: بالفعل.
[31160]:من ظ، وفي الأصل: لم يشيبه.
[31161]:من ظ، وفي الأصل: لم يشيبه.
[31162]:في ظ: لله.
[31163]:في ظ: لله.
[31164]:في ظ: الخالق.
[31165]:زيد من ظ.
[31166]:من ظ، وفي الأصل: منه.
[31167]:في ظ: الهداية.
[31168]:سقط من ظ.
[31169]:من ظ، وفي الأصل: تمييزا.
[31170]:في ظ: شواريق- كذا.