وفي النهاية يجيء التعقيب الأخير على القصة :
( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ، وإنك لمن المرسلين ) . .
تلك الآيات العالية المقام البعيدة الغايات ( نتلوها عليك ) . . الله - سبحانه وتعالى - هو الذي يتلوها وهو أمر هائل عظيم حين يتدبر الإنسان حقيقته العميقة الرهيبة . . ( نتلوها عليك بالحق ) . . تحمل معها الحق . ويتلوها من يملك حق تلاوتها وتنزيلها ، وجعلها دستورا للعباد . وليس هذا الحق لغير الله سبحانه . فكل من يسن للعباد منهجا غيره إنما هو مفتات على حق الله ، ظالم لنفسه وللعباد ، مدع ما لا يملك ، مبطل لا يستحق أن يطاع . فإنما يطاع أمر الله . وأمر من يهتدي بهدى الله . . دون سواه . .
ومن ثم نتلو عليك هذه الآية ؛ ونزودك بتجارب البشرية كلها في جميع أعصارها ؛ وتجارب الموكب الإيماني كله في جميع مراحله ، ونورثك ميراث المرسلين أجمعين . .
بهذا ينتهي هذا الدرس القيم الحافل بذخيرة التجارب . وبهذا ينتهي هذا الجزء الذي طوف بالجماعة المسلمة في شتى المجالات وشتى الاتجاهات ؛ وهو يربيها ويعدها للدور الخطير ، الذي قدره الله لها في الأرض ، وجعلها قيمة عليه ، وجعلها أمة وسطا تقوم على الناس بهذا المنهج الرباني - إلى آخر الزمان .
ولما علت هذه الآيات عن أقصى ما يعرفه البصراء البلغاء من الغايات ، وتجاوزت إلى حد تعجز العقول عن مناله ، وتضاءل نوافذ الأفهام عن الإتيان بشيء من مثاله ، نبه سبحانه وتعالى على ذلك بقوله : { تلك } أي الآيات المعجزات لمن شمخت أنوفهم{[11970]} ، وتعالت في مراتب الكبر هممهم ونفوسهم ؛ والإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة و{[11971]}لا سيما هذه القصة من أخبار بني إسرائيل والعبارة عن ذلك في هذه الأساليب الباهرة والأفانين المعجزة القاهرة { آيات الله } أي الذي علت عظمته وتمت قدرته وقوته{[11972]} ، ولما كانت الجلالة من حيث إنها اسم{[11973]} للذات جامعة لصفات الكمال والجمال{[11974]} ونعوت الجلال لفت القول{[11975]} إلى مظهر العظمة إشارة إلى إعجازهم عن هذا النظم بنعوت الكبر والتعالي{[11976]} فقال : { نتلوها } أي ننزلها شيئاً في إثر شيء {[11977]}بما لنا من العظمة{[11978]} { عليك } تثبيتاً لدعائم الكتاب الذي{[11979]} هو الهدى ، وتشييداً{[11980]} لقواعده{[11981]} { بالحق } قال الإمام سعد الدين التفتازاني في شرح العقائد : الحق الحكم المطابق للواقع ، يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ويقابله الباطل ، وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب ، وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع . وفي الصدق من جانب الحكم ؛ فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع . ومعنى حقيته{[11982]} مطابقة الواقع إياه - انتهى . فمعنى الآية على هذا : إنا عالمون بالواقع من هذه الآيات فأتينا{[11983]} بعبارة يطابقها ذلك الواقع لا يزيد عنها ولا ينقص ، فتلك العبارة ثابتة ثبات الواقع لا يتمكن منصف عالم من إنكارها ولا إنكار شيء منها ، كما لا يتمكن من إنكار الواقع المعلوم وقوعه ، ويكون الخبر عنها صدقاً لأنه مطابق لذلك الواقع بغير زيادة ولا نقص ؛ والحاصل أن الحق يعتبر من جانب المخبر ، فإنه يأتى بعبارة يساويها الواقع فتكون{[11984]} حقاً ، وأن الصدق يعتبر من جانب السامع ، فإنه{[11985]} ينظر إلى الخبر{[11986]} ، فإن وجده مطابقاً للواقع قال : هذا صدق ، وليس ببعيد أن يكون من الشواهد على ذلك{[11987]} هذه الآية وقوله سبحانه وتعالى{ والذي جاء بالصدق وصدق به{[11988]} }[ الزمر : 33 ] وقوله
{ قال فالحق والحق أقول{[11989]} }[ ص : 84 ] { بل جاء بالحق وصدق المرسلين{[11990]} }[ الصافات : 37 ] و{ هو الحق مصدقاً لما بين يديه{[11991]} }[ فاطر : 31 ] ، وكذا{ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق{[11992]} }[ الحجر : 85 ] أي أن هذا الفعل وهو {[11993]}خلقنا لها{[11994]} لسنا متعدين فيه ، وهذا{[11995]} الواقع يطابق خلقها لا يزيد عليه{[11996]} بمعنى أنه كان علينا أن نزيد{[11997]} فيها شيئاً وليس لنا الاقتصار على ما وجد ولا ننقص{[11998]} عنه بمعنى أنه كان علينا أن نجعلها ناقصة عما هي عليه ولم يكن لنا إتمامها هكذا ؛ أو{[11999]} بالحق الذي هو قدرتنا واختيارنا لا كما يدعيه{[12000]}
الفلاسفة من الفعل بالذات من غير اختيار : أو بسبب{[12001]} الحق أي إقامته وإثباته وإبطال الباطل ونفيه ، وقوله
( وآتيناك بالحق وإنا لصادقون{[12002]} }[ الحجر : 64 ] أي أتيناك{[12003]} بالخبر{[12004]} بعذابهم وهو ثابت ، لأن مضمونه إذا وقع فنسبتَه إلى الخبر{[12005]} علمت مطابقته له أي مطابقة الواقع إياه وإخبارنا عنه على ما هو به فنحن صادقون فيه ، أي نسبنا{[12006]} وقوع العذاب إليهم{[12007]} نسبة تطابق الواقع فإذا وقع نظرت إلى إخبارنا فرأيته مطابقاً له فعلمت{[12008]} صدقنا فيه ؛ والذي لا يدع في ذلك لبساً قوله سبحانه وتعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة والسلام{ قد جعلها ربي حقاً{[12009]} }[ يوسف : 100 ] أتى بمطابقة الواقع لتأويلها ، وأما صدقه صلى الله عليه وسلم فهو بنسبة الخبر{[12010]} إلى الواقع وهو أنه رأى ما أخبر به وذلك موجود من حين إخباره صلى الله عليه وسلم فإن خبره{[12011]} كان حين إخباره به مطابقاً للواقع ، وأما صدق الرؤيا{[12012]} فباعتبار أنه كان لها واقع طابقه{[12013]} تأويلها ؛ فإن قيل : تأسيس المفاعلة أن تكون بين اثنين فصاعداً يفعل أحدهما بالآخر ما يفعل الآخر به ، فهب أنّا اعتبرنا{[12014]} المطابقة من جانب واحد فذلك لا ينفي اعتبارها من الجانب الآخر فماذا يغني ما ادعيته ، قيل{[12015]} إنها وإن كان لا بد فيها من مراعاة الجانبين لكنها تفهم أن الذي أسند إليه الفعل هو الطالب ، بخلاف باب التفاعل فإنه لا دلالة لفعله على ذلك ، وجملة الأمر أن الواقع أحق باسم الحق لأنه الثابت والخبر{[12016]} أحق باسم الصدق ، والواقع طالب{[12017]} لخبر يطابقه ليعرف على{[12018]} ما هو عليه والخبر طالب لمطابقة الواقع له فيكتسب الشرف بتسميته صدقاً . وأول ثابت في نفس الأمر هو الواقع فإنه قبل الخبر عنه بأنه وقع ، فإذا{[12019]} كان مبدأ الطلب من الواقع سمي الخبر باسمه ، وإذا كان مبدأ الطلب من الخبر سمي باسمه الحقيق به ، ولعلك إذا اعتبرت آيات الكتاب الناطق بالصواب وجدتها كلها على هذا الأسلوب - والله سبحانه وتعالى الموفق . ولما ثبت أن التلاوة عليه صلى الله عليه وسلم حق قال تعالى : { وإنك{[12020]} } أي والحال أنك { لمن المرسلين * } بما دلت هذه الآيات عليه{[12021]} من علمك بها من غير معلم من البشر ثم بإعجازها الباقي على مدى{[12022]} الدهر .