أول ما يواجهنا في هذا الدرس هو ذلك التعبير الخاص عن الرسل :
لم يقل : هؤلاء الرسل . إنما استهل الحديث عنهم بهذا التعبير الخاص ، الذي يشتمل على إيحاء قوي واضح . يحسن أن نقول عنه كلمة قبل المضي في مواجهة نصوص الدرس كله .
إنهم جماعة خاصة . ذات طبيعة خاصة . وإن كانوا بشرا من البشر . . فمن هم ؟ ما الرسالة ؟ ما طبيعتها ؟ كيف تتم ؟ لماذا كان هؤلاء وحدهم رسلا ؟ وبماذا ؟
أسئلة طالما أشفقت أن أبحث لها عن جواب ! إن حسي ليفعم بمشاعر ومعان لا أجد لها كفاء من العبارات ! ولكن لا بد من تقريب المشاعر والمعاني بالعبارات !
إن لهذا الوجود الذي نعيش فيه ، والذي نحن قطعة منه ؛ سننا أصيلة يقوم عليها . هذه السنن هي القوانين الكونية التي أودعها الله هذا الكون ليسير عل وفقها ، ويتحرك بموجبها ، ويعمل بمقتضاها .
والإنسان يكشف عن أطراف من هذه القوانين كلما ارتقى في سلم المعرفة . يكشف عنها - أو يكشف له عنها - بمقدار يناسب إدراكه المحدود ، المعطى له بالقدر الذي يلزم لنهوضه بمهمة الخلافة في الأرض ، في أمد محدود .
ويعتمد الإنسان في معرفة هذه الأطراف من القوانين الكونية على وسيلتين أساسيتين - بالقياس إليه - هما الملاحظة والتجربة . وهما وسيلتان جزئيتان في طبيعتهما ، وغير نهائيتين ولا مطلقتين في نتائجهما . ولكنهما تقودان أحيانا إلى أطراف من القوانين الكلية في آماد متطاولة من الزمان . . ثم يظل هذا الكشف جزئيا غير نهائي ولا مطلق ؛ لأن سر التناسق بين تلك القوانين كلها . سر الناموس الذي ينسق بين القوانين جميعها . هذا السر يظل خافيا ، لا تهتدي إليه الملاحظة الجزئية النسبية ، مهما طالت الآماد . . إن الزمن ليس هو العنصر النهائي في هذا المجال . إنما هو الحد المقدور للإنسان ذاته ، بحكم تكوينه ، وبحكم دوره في الوجود . وهو دور جزئي ونسبي . ثم تجيء كذلك نسبية الزمن الممنوح للجنس البشري كله على وجه الأرض وهو بدوره جزئي ومحدود . . ومن ثم تبقى جميع وسائل المعرفة ، وجميع النتائج التي يصل إليها البشر عن طريق هذه الوسائل ، محصورة في تلك الدائرة الجزئية النسبية .
هنا يجيء دور الرسالة . دور الطبيعة الخاصة التي آتاها الله الاستعداد اللدني لتتجاوب في اعماقها - بطريقة ما نزال نجهل طبيعتها وإن كنا ندرك آثارها - مع ذلك الناموس الكلي ، الذي يقوم عليه الوجود . .
هذه الطبيعة الخاصة هي التي تتلقى الوحي ؛ فتطيق تلقيه ، لأنها مهيأة لاستقباله . . إنها تتلقى الإشارة الإلهية التي يتلقاها هذا الوجود ؛ لأنها متصلة اتصالا مباشرا بالناموس الكوني الذي يصرف هذا الوجود . . كيف تتلقى هذه الإشارة ؟ وبأي جهاز تستقبلها ؟ نحن في حاجة - لكي نجيب - أن تكون لنا نحن هذه الطبيعة التي يهبها الله للمختارين من عباده ! و ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) . . وهي أمر عظيم أعظم من كل ما يخطر على البال من عظائم الأسرار في هذا الوجود .
كل الرسل قد أدركوا حقيقة " التوحيد " وكلهم بعثوا بها . ذلك أن إيقاع الناموس الواحد في كيانهم كله ، هداهم إلى مصدره الواحد الذي لا يتعدد - لا يتعدد وإلا لتعددت النواميس وتعدد إيقاعها الذي يتلقونه - وكان هذا الإدراك في فجر البشرية ، قبل أن تنمو المعرفة الخارجية ، المبنية على الملاحظة والتجربة ، وقبل أن تتكشف بعض القوانين الكونية ، التي تشير إلى تلك الوحدة .
وكلهم دعا إلى عبادة الله الواحد . . دعا إلى هذه الحقيقة التي تلقاها وأمر أن يبلغها . . وكان إدراكهم لها هو المنطق الفطري الناشيء من إيقاع الناموس الواحد في الفطرة الواصلة . كما كان نهوضهم لتبليغها هو النتيجة الطبيعية لإيمانهم المطلق بكونها الحقيقة ؛ وبكونها صادرة إليهم من الله الواحد ، الذي لا يمكن - وفق الإيقاع القوي الصادق الملزم الذي تلقته فطرتهم - أن يتعدد !
وهذا الإلزام الملح الذي تستشعره فطرة الرسل يبدو أحيانا في كلمات الرسل التي يحكيها عنهم هذا القرآن ، أو التي يصفهم بها في بعض الأحيان .
نجده مثلا في حكاية قول نوح - عليه السلام - لقومه : قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ، وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم ، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ؟ ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله . وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ، ولكني أراكم قوما تجهلون . ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم ؟ أفلا تذكرون ؟ . .
ونجده في حكاية قول صالح - عليه السلام - ( قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة ، فمن ينصرني من الله إن عصيته ؟ فما تزيدونني غير تخسير ) . .
ونجده في سيرة إبراهيم - عليه السلام - : ( وحاجه قومه . قال : أتحاجوني في الله وقد هدان ؟ ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا . وسع ربي كل شيء علما . أفلا تتذكرون ؟ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ؟ فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ؟ ) . . .
ونجده في قصة شعيب - عليه السلام - : ( قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا ؟ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت . وما توفيقي إلا بالله . عليه توكلت وإليه أنيب ) . .
نجدها في قول يعقوب - عليه السلام - لبنيه : ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ) . .
وهكذا وهكذا نجد في أقوال الرسل وأوصافهم أثر ذلك الإيقاع العميق الملح على فطرتهم ، والذي تشيكلماتهم بما يجدونه منه في أعماق الضمير !
ويوما بعد يوم تكشفت للمعرفة الإنسانية الخارجية ظواهر تشير من بعيد إلى قانون الوحدة في هذا الوجود . واطلع العلماء من البشر على ظاهرة وحدة التكوين ووحدة الحركة في هذا الكون العريض . وتكشف - في حدود ما يملك الإنسان أن يعلم - أن الذرة هي أساس البناء الكوني كله ، وأن الذرة طاقة . . فالتقت المادة بالقوة في هذا الكون ممثلة في الذرة . وانتفت الثنائية التي تراءت طويلا . وإذا المادة - وهي مجموعة من الذرات - هي طاقة حين تتحطم هذه الذرات ، فتتحول إلى طاقة من الطاقات ! . . وتكشف كذلك - في حدود ما يملك الإنسان أن يعلم - أن الذرة في حركة مستمرة من داخلها . وإنها مؤلفة من الكترونات - أو كهارب - تدور في فلك حول النواة أو النويات وهي قلب الذرة . وأن هذه الحركة مستمرة ومطردة في كل ذرة . وأن كل ذرة - كما قال فريد الدين العطار - شمس تدور حولها كواكب كشمسنا هذه وكواكبها التي ما تني تدور حولها باستمرار !
وحدة التكوين ووحدة الحركة في هذا الكون هما الظاهرتان اللتان اهتدى اليهما الإنسان . . وهما إشارتان من بعيد إلى قانون الوحدة الشامل الكبير . وقد بلغت اليهما المعرفة البشرية بمقدار ما تطيق الملاحظة والتجربة البشرية أن تبلغ . . أما الطبائع الخاصة الموهوبة ، فقد أدركت القانون الشامل الكبير كله في لمحة ؛ لأنها تتلقى إيقاعه المباشر ، وتطيق وحدها تلقيه .
إنهم لم يجمعوا الشواهد والظواهر على تلك الوحدة عن طريق التجارب العلمية . ولكن لأنهم وهبوا جهاز استقبال كاملا مباشرا ، استقبلوا إيقاع الناموس الواحد استقبالا داخليا مباشرا ؛ فأدركوا إدراكا مباشرا أن الإيقاع الواحد لا بد منبعث عن ناموس واحد ، صادر من مصدر واحد . وكان هذا الجهاز اللدني في تلك الطبائع الخاصة الموهوبة أدق وأشمل وأكمل ، لأنه أدرك في لمسة واحدة ما وراء وحدة الإيقاع من وحدة المصدر ، ووحدة الإرادة والفاعلية في هذا الوجود . فقرر - في إيمان - وحدة الذات الإلهية المصرفة لهذا الوجود .
وما أسوق هذا الكلام لأن العلم الحديث يرى أنه قد أدرك ظاهرة أو ظاهرتين من ظواهر الوحدة الكونية . فالعلم يثبت أو ينفي في ميدانه . وكل ما يصل إليه من " الحقائق " نسبي جزئي مقيد ؛ فهو لا يملك أن يصل أبدا إلى حقيقة واحدة نهائية مطلقة . فضلا على أن نظريات العلم قلب ، يكذب بعضها بعضا ، ويعدل بعضها بعضا .
وما ذكرت شيئا عن وحدة التكوين ووحدة الحركة لأقرن اليهما صدق الاستقبال لوحدة الناموس في حس الرسل . . كلا . . إنما قصدت إلى أمر آخر . قصدت إلى تحديد مصدر التلقي المعتمد لتكوين التصور الصادق الكامل الشامل لحقيقة الوجود .
إن الكشف العلمي ربما يكون قد اهتدى إلى بعض الظواهر الكونية المتعلقة بحقيقة الوحدة الكبرى . . هذه الوحدة التي لمست حس الرسل من قبل في محيطها الواسع الشامل المباشر . والتي أدركتها الفطرة اللدنية إدراكا كاملا شاملا مباشرا . وهذه الفطرة صادقة بذاتها - سواء اهتدت نظريات العلم الحديث إلى بعض الظواهر أو لم تهتد - فنظريات العلم موضع بحث ومراجعة من العلم ذاته . وهي ليست ثابتة أولا . ثم أنها ليست نهائية ولا مطلقة أخيرا . فلا تصلح إذن أن تقاس بها صحة الرسالة . فالمقياس لا بد أن يكون ثابتا وأن يكون مطلقا . ومن هنا تكون الرسالة هي المقياس الثابت المطلق الوحيد .
وينشأ عن هذه الحقيقة حقيقة أخرى ذات أهمية قصوى . .
إن هذه الطبائع الخاصة الموصولة بناموس الوجود صلة مباشرة ، هي التي تملك أن ترسم للبشرية اتجاهها الشامل . اتجاهها الذي يتسق مع فطرة الكون وقوانينه الثابتة وناموسه المطرد . هي التي تتلقى مباشرة وحي الله . فلا تخطىء ولا تضل ، ولا تكذب ولا تكتم . ولا تحجبها عوامل الزمان والمكان عن الحقيقة ؛ لأنها تتلقى هذه الحقيقة عن الله ، الذي لا زمان عنده ولا مكان .
ولقد شاءت الإرادة العليا أن تبعث بالرسل بين الحين والحين ، لتصل البشرية بالحقيقة المطلقة ، التي ما كانت ملاحظتهم وتجربتهم لتبلغ إلى طرف منها إلا بعد مئات القرون . وما كانت لتبلغ إليها كلها أبدا على مدار القرون . وقيمة هذا الاتصال هي استقامة خطاهم مع خطى الكون ؛ واستقامة حركاتهم مع حركة الكون ؛ واستقامة فطرتهم مع فطرة الكون .
ومن ثم كان هنالك مصدر واحد يتلقى منه البشر التصور الصادق الكامل الشامل لحقيقة الوجود كله ولحقيقة الوجود الإنساني . ولغاية الوجود كله وغاية الوجود الإنساني . ومن هذا التصور يمكن أن ينبثق المنهج الوحيد الصحيح القويم ، الذي يتطابق مع حقيقة تصميم الكون وحقيقة حركته ، وحقيقة اتجاهه . ويدخل به الناس في السلم كافة . السلم مع هذا الكون ، والسلم مع فطرتهم وهي من فطرة هذا الكون ، والسلم مع بعضهم البعض في سعيهم ونشاطهم ونموهم ورقيهم المهيأ لهم في هذه الحياة الدنيا .
مصدر واحد هو مصدر الرسالات ، وما عداه ضلال وباطل ، لأنه لا يتلقى عن ذلك المصدر الوحيد الواصل الموصول .
إن وسائل المعرفة الأخرى المتاحة للإنسان ، معطاة له بقدر . ليكشف بها بعض ظواهر الكون وبعض قوانينه وبعض طاقاته . بالقدر اللازم له في النهوض بعبء الخلافة في الأرض ، وتنمية الحياة وتطويرها . وقد يصل في هذا المجال إلى آماد بعيدة جدا . ولكن هذه الآماد لا تبلغ به أبدا إلى محيط الحقيقة المطلقة التي هو في حاجة إليها ليكيف حياته - لا وفق الأحوال والظروف الطارئة المتجددة فحسب ، ولكن وفق القوانين الكونية الثابتة المطردة التي قام عليها الوجود ، ووفق الغاية الكبرى للوجود الإنساني كله . هذه الغاية التي يراها خالق الإنسان المتعالي عن ملابسات الزمان والمكان . ولا يراها الإنسان المحدود المتأثر بملابسات الزمان والمكان .
إن الذي يضع خطة الرحلة للطريق كله ، هو الذي يدرك الطريق كله . والإنسان محجوب عن رؤية هذا الطريق . بل هو محجوب عن اللحظة التالية . ودونه ودونها ستر مسبل لا يباح لبشر أن يطلع وراءه ! فأنى للإنسان أن يضع الخطة لقطع الطريق المجهول ؟ !
إنه إما الخبط والضلال والشرود . وإما العودة إلى المنهج المستمد من خالق الوجود . منهج الرسالات . ومنهج الرسل . ومنهج الفطر الموصولة بالوجود وخالق الوجود .
ولقد مضت الرسالات واحدة إثر واحدة ، تأخذ بيد البشرية وتمضي بها صعدا في الطريق على هدى وعلى نور . والبشرية تشرد من هنا وتشرد من هناك ؛ وتحيد عن النهج ، وتغفل حداء الرائد ؛ وتنحرف فترة ريثما يبعث إليها رائد جديد .
وفي كل مرة تتكشف لها الحقيقة الواحدة في صور مترقية ؛ تناسب تجاربها المتجددة حتى إذا كانت الرسالة الأخيرة كان عهد الرشد العقلي قد أشرق . فجاءت الرسالة الأخيرة تخاطب العقل البشري بكليات الحقيقةكلها ؛ لتتابع البشرية خطواتها في ظل تلك الخطوط النهائية العريضة . وكانت خطوط الحقيقة الكبرى من الوضوح بحيث لا تحتاج بعد إلى رسالة جديدة . ويحسبها المفسرون المجددون على مدار القرون .
وبعد فإما أن تسير البشرية داخل هذا النطاق الشامل الذي يسعها دائما ، ويسع نشاطها المتجدد المترقي ، ويصلها بالحقيقة المطلقة التي لا تصل إليها عن أي طريق آخر . وإما أن تشرد وتضل وتذهب بددا في التيه ! بعيدا عن معالم الطريق !
( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض . منهم من كلم الله . ورفع بعضهم درجات . وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس . ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات . ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر . ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) . .
هذه الآية تلخص قصة الرسل والرسالات - كما أنها أفردت جماعة الرسل وميزتها من بين الناس - فهي تقرر أن الله فضل بعض الرسل على بعض ؛ وتذكر بعض أمارات التفضيل ومظاهره . ثم تشير إلى اختلاف الذين جاءوا من بعدهم من الأجيال المتعاقبة - من بعد ما جاءتهم البينات - وإلى اقتتالهم بسبب هذا الاختلاف . كما تقرر أن بعضهم آمن وبعضهم كفر . وأن الله قد قدر أن يقع بينهم القتال لدفع الكفر بالإيمان ، ودفع الشر بالخير . . وهذه الحقائق الكثيرة التي تشير إليها هذه الآية تمثل قصة الرسالة وتاريخها الطويل .
( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) . .
والتفضيل هنا قد يتعلق بالمحيط المقدر للرسول . والذي تشمله دعوته ونشاطه . كأن يكون رسول قبيلة ، أو رسول أمة ، أو رسول جيل . أو رسول الأمم كافة في جميع الأجيال . . كذلك يتعلق بالمزايا التي يوهبها لشخصه أو لأمته . كما يتعلق بطبيعة الرسالة ذاتها ومدى شمولها لجوانب الحياة الإنسانية والكونية . .
وقد ذكر النص هنا مثالين في موسى وعيسى - عليهما السلام - وأشار إشارة عامة إلى من سواهما :
( منهم من كلم الله - ورفع بعضهم درجات - وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ) . .
وحين يذكر تكليم الله لأحد من الرسل ينصرف الذهن إلى موسى - عليه السلام - ومن ثم لم يذكره باسمه . وذكر عيسى بن مريم - عليه السلام - وهكذا يرد اسمه منسوبا إلى أمه في أغلب المواضع القرآنية . والحكمة في هذا واضحة . فقد نزل القرآن وهناك حشد من الأساطير الشائعة حول عيسى - عليه السلام - وبنوته لله - سبحانه وتعالى - أو عن ازدواج طبيعته من اللاهوت والناسوت . أو عن تفرده بطبيعة إلهية ذابت فيها الطبيعة الناسوتية كالقطرة في الكأس ! إلى آخر هذه التصورات الأسطورية التي غرقت الكنائس والمجامع في الجدل حولها ؛ وجرت حولها الدماء أنهارا في الدولة الرومانية ! ومن ثم كان هذا التوكيد الدائم على بشرية عيسى - عليه السلام - وذكره في معظم المواضع منسوبا إلى أمه مريم . . أما روح القدس فالقرآن يعني به جبريل - عليه السلام - فهو حامل الوحي إلى الرسل . وهذا أعظم تأييد وأكبره . وهو الذي ينقل الإشارة الإلهية إلى الرسل بانتدابهم لهذا الدور الفذ العظيم ، وهو الذي يثبتهم على المضي في الطريق الشاق الطويل ؛ وهو الذي يتنزل عليهم بالسكينة والتثبيت والنصر في مواقع الهول والشدة في ثنايا الطريق . . وهذا كله التأييد أما البينات التي آتاها الله عيسى - عليه السلام - فتشمل الإنجيل الذي نزله عليه ، كما تشمل الخوارق التي أجراها على يديه ، والتي وردذكرها مفصلة في مواضعها المناسبة من القرآن . تصديقا لرسالته في مواجهة بني إسرائيل المعاندين !
ولم يذكر النص هنا محمدا [ ص ] لأن الخطاب موجه إليه . كما جاء في الآية السابقة في السياق : تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين . . تلك الرسل . . إلخ . فالسياق سياق إخبار له عن غيره من الرسل .
وحين ننظر إلى مقامات الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - من أية ناحية نجد محمدا [ ص ] في القمة العليا . وسواء نظرنا إلى الأمر من ناحية شمول الرسالة وكليتها ، أو من ناحية محيطها وامتدادها ، فإن النتيجة لا تتغير . .
إن الإسلام هو أكمل تصور لحقيقة الوحدة - وهي أضخم الحقائق على الإطلاق - وحدة الخالق الذي ليس كمثله شيء . ووحدة الإرادة التي يصدر عنها الوجود كله بكلمة : ( كن ) . ووحدة الوجود الصادر عن تلك الإرادة . ووحدة الناموس الذي يحكم هذا الوجود . ووحدة الحياة من الخلية الساذجة إلى الإنسان الناطق . ووحدة البشرية من آدم - عليه السلام - إلى آخر أبنائه في الأرض . ووحدة الدين الصادر من الله الواحد إلى البشرية الواحدة . ووحدة جماعة الرسل المبلغة لهذه الدعوة . ووحدة الأمة المؤمنة التي لبت هذه الدعوة . ووحدة النشاط البشري المتجه إلى الله وإعطائه كله اسم " العبادة " . ووحدة الدنيا والآخرة داري العمل والجزاء . ووحدة المنهج الذي شرعه الله للناس فلا يقبل منهم سواه . ووحدة المصدر الذي يتلقون عنه تصوراتهم كلها ومنهجهم في الحياة . . .
ومحمد [ ص ] هو الذي أطاقت روحه التجاوب المطلق مع حقيقة الوحدة الكبرى ؛ كما أطاق عقله تصور هذه الوحدة وتمثلها ؛ كما أطاق كيانه تمثيل هذه الوحدة في حياته الواقعة المعروضة للناس .
كذلك هو الرسول الذي أرسل إلى البشر كافة ، من يوم مبعثه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ؛ والذي اعتمدت رسالته على الإدراك الإنساني الواعي دون ضغط حتى من معجزة مادية قاهرة ، ليعلن بذلك عهد الرشد الإنساني .
ومن ثم كان هو خاتم الرسل . وكانت رسالته خاتمة الرسالات . ومن ثم انقطع الوحي بعده ؛ وارتسمت للبشرية في رسالته تلك الوحدة الكبرى ؛ وأعلن المنهج الواسع الشامل الذي يسع نشاط البشرية المقبل في إطاره ؛ ولم تعد إلا التفصيلات والتفسيرات التي يستقل بها العقل البشري - في حدود المنهج الرباني - ولا تستدعي رسالة إلهية جديدة .
وقد علم الله - سبحانه - وهو الذي خلق البشر ؛ وهو الذي يعلم ما هم ومن هم ؛ ويعلم ما كان من أمرهم وما هو كائن . . قد علم الله - سبحانه - أن هذه الرسالة الأخيرة ، وما ينبثق عنها من منهج للحياة شامل ، هي خير ما يكفل للحياة النمو والتجدد والانطلاق . فأيما إنسان زعم لنفسه أنه أعلم من الله بمصلحة عباده ؛ أو زعم أن هذا المنهج الرباني لم يعد يصلح للحياة المتجددة النامية في الأرض ؛ أو زعم أنه يملك ابتداع منهج أمثل من المنهج الذي أراده الله . . أيما إنسان زعم واحدة من هذه الدعاوى أو زعمها جميعا فقد كفر كفرا صراحا لا مراء فيه ؛ وأراد لنفسه وللبشرية شر ما يريده إنسان بنفسه وبالبشرية ؛ واختار لنفسه موقف العداء الصريح لله ، والعداء الصريح للبشرية التي رحمها الله بهذه الرسالة ، وأراد لها الخير بالمنهج الرباني المنبثق منهاليحكم الحياة البشرية إلى آخر الزمان .
وبعد فقد اقتتل اتباع ( تلك الرسل ) . ولم تغن وحدة جماعة الرسل في طبيعتهم ، ووحدة الرسالة التي جاءوا بها كلهم . . لم تغن هذه الوحدة عن اختلاف اتباع الرسل حتى ليقتتلون من خلاف :
( ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم - من بعد ما جاءتهم البينات - ولكن اختلفوا : فمنهم من آمن ومنهم من كفر . ولو شاء الله ما اقتتلوا . ولكن الله يفعل ما يريد )
إن هذا الاقتتال لم يقع مخالفا لمشيئة الله . فما يمكن أن يقع في هذا الكون ما يخالف مشيئته - سبحانه - فمن مشيئته أن يكون هذا الكائن البشري كما هو . بتكوينه هذا واستعداداته للهدى وللضلال . وأن يكون موكولا إلى نفسه في اختيار طريقه إلى الهدى أو إلى الضلال . ومن ثم فكل ما ينشأ عن هذا التكوين وإفرازاته واتجاهاته داخل في إطار المشيئة ؛ وواقع وفق هذه المشيئة .
كذلك فإن اختلاف الاستعدادات بين فرد وفرد من هذا الجنس سنة من سنن الخالق ، لتنويع الخلق - مع وحدة الأصل والنشأة - لتقابل هذه الاستعدادات المختلفة وظائف الخلافة المختلفة المتعددة المتنوعة . وما كان الله ليجعل الناس جميعا نسخا مكررة كأنما طبعت على ورق " الكربون " . . على حين أن الوظائف اللازمة للخلافة في الأرض وتنمية الحياة وتطويرها منوعة متباينة متعددة . . أما وقد مضت مشيئة الله بتنويع الوظائف فقد مضت كذلك بتنويع الاستعدادات . ليكون الاختلاف فيها وسيلة للتكامل . وكلف كل إنسان أن يتحرى لنفسه الهدى والرشاد والإيمان . وفيه الاستعداد الكامن لهذا ، وأمامه دلائل الهدى في الكون ، وعنده هدى الرسالات والرسل على مدار الزمان . وفي نطاق الهدى والإيمان يمكن أن يظل التنوع الخير الذي لا يحشر نماذج الناس كلهم في قالب جامد !
( ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ) . .
وحين يصل الاختلاف إلى هذا المدى ، فيكون اختلاف كفر وإيمان ، يتعين القتال . يتعين لدفع الناس بعضهم ببعض . دفع الكفر بالإيمان . والضلال بالهدى ، والشر بالخير . فالأرض لا تصلح بالكفر والضلال والشر . ولا يكفي أن يقول قوم : إنهم اتباع أنبياء إذا وصل الاختلاف بينهم إلى حد الكفر والإيمان . وهذه هي الحالة التي كانت تواجهها الجماعة المسلمة في المدينة يوم نزل هذا النص . . كان المشركون في مكة يزعمون أنهم على ملة إبراهيم ! وكان اليهود في المدينة يزعمون أنهم على دين موسى . كما كان النصارى يزعمون أنهم على دين عيسى . . ولكن كل فرقة من هؤء كانت قد بعدت بعدا كبيرا عن أصل دينها ، وعن رسالة نبيها . وانحرفت إلى المدى الذي ينطبق عليه وصف الكفر . وكان المسلمون عند نزول هذا النص يقاتلون المشركين من العرب . كما كانوا على وشك أن يوجهوا إلى قتال الكفار من أهل الكتاب . ومن ثم جاء هذا النص يقرر أن الاقتتال بين المختلفين على العقيدة إلى هذا الحد ، هو من مشيئة الله وبإذنه :
( ولو شاء الله ما اقتتلوا ) . .
ولكنه شاء . شاء ليدفع الكفر بالإيمان ؛ وليقر في الأرض حقيقة العقيدة الصحيحة الواحدة التي جاء بها الرسل جميعا ، فانحرف عنها المنحرفون . وقد علم الله أن الضلال لا يقف سلبيا جامدا ، إنما هو ذو طبيعة شريرة . فلا بد أن يعتدي ، ولا بد أن يحاول إضلال المهتدين ، ولا بد أن يريد العوج ويحارب الاستقامة . فلا بد من قتاله لتستقيم الأمور .
مشيئة مطلقة . ومعها القدرة الفاعلة . وقد قدر أن يكون الناس مختلفين في تكوينهم . وقدر أن يكونوا موكولين إلى أنفسهم في اختيار طريقهم . وقدر أن من لا يهتدي منهم يضل . وقدر أن الشر لا بد أن يعتدي ويريد العوج . وقدر أن يقع القتال بين الهدى والضلال . وقدر أن يجاهد أصحاب الإيمان لإقرار حقيقته الواحدة الواضحة المستقيمة ؛ وأنه لا عبرة بالانتساب إلى الرسل من اتباعهم ، إنما العبرة بحقيقة ما يعتقدون وحقيقة ما يعملون . وأنه لا يعصمهم من مجاهدة المؤمنين لهم أن يكونوا ورثة عقيدة وهم عنها منحرفون . .
وهذه الحقيقة التي قررها الله للجماعة المسلمة في المدينة حقيقة مطلقة لا تتقيد بزمان . إنما هي طريقة القرآن في اتخاذ الحادثة المفردة المقيدة مناسبة لتقرير الحقيقة المطردة المطلقة .
{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ } أي كلمه الله تعالى يعني موسى عليه السلام { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، قال الشيخ الإمام رحمة الله عليه : وما أوتي نبي آية إلا وقد أوتي نبينا مثل تلك الآية وفضل على غيره بآيات مثل : انشقاق القمر بإشارته ، وحنين الجذع على مفارقته ، وتسليم الحجر والشجر عليه ، وكلام البهائم والشهادة برسالته ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وغير ذلك من المعجزات والآيات التي لا تحصى ، وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السماء وأهل الأرض عن الإتيان بمثله .
أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد بن علي الصيرفي ، أنا أبو الحسن محمد بن أحمد المخلدي ، أخبرنا أبو العباس بن محمد بن إسحاق الثقفي ، أنا قتيبة بن سعيد ، أنا الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله تعالى إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا محمد بن سنان ، أخبرنا هشيم ، أنا سيار ، أنا يزيد الفقير ، أنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني ، أنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أنا أحمد بن علي الكشميهني ، أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر ، أنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فضلت على الأنبياء بست : أوتيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون " .
قوله تعالى : { وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ } أي من بعد الرسل { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ } ثبت على إيمانه بفضل الله { وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ } بخذلانه { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا } أعاده تأكيدا { وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } يوفق من يشاء فضلا ويخذل من يشاء عدلا .
سأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرني عن القدر ؟ فقال : طريق مظلم لا تسلكه ، فأعاد السؤال فقال : بحر عميق فلا تلجه ، فأعاد السؤال ، فقال : سر الله في الأرض قد خفي عليك فلا تفتشه .
ولما تقدم في هذه السورة ذكر رسل كثيرة وختم هذه الآيات بأنه صلى الله عليه وسلم منهم تشوفت{[12023]} النفس إلى{[12024]} معرفة أحوالهم في الفضل هل هم فيه سواء أو هم متفاضلون ، فأشار إلى علو مقادير الكل في قوله : { تلك الرسل{[12025]} } بأداة البعد إعلاماً ببعد مراتبهم و علو منازلهم وأنها بالمحل الذي لا ينال والمقام الذي لا يرام ، وجعل الحرالي التعبير بتلك التي هي أداة التأنيث دون أولئك التي هي إشارة المذكر{[12026]} توطئة وإشارة لما يذكر بعد من اختلاف الأمم بعد أنبيائها{[12027]} وقال : يقول فيه النحاة إشارة لجماعة المؤنث وإنما هو في العربية لجماعة ثانية في الرتبة ، لأن التأنيث أخذ {[12028]}الثواني عن أولية تناسبه في المعنى وتقابله{[12029]} في التطرق{[12030]} ، قال : ومن لسن العرب وإشارة تأسيس كلمها أن المعنى متى أريد إرفاعه{[12031]} أطلق عن{[12032]} علامة الثاني في الرتبة وإشارته ، ومتى أريد إنزاله{[12033]} قيد بعلامة الثاني وإشارته ، ثم قال{[12034]} : ففي ضمن هذه الإشارة لأولي التنبه إشعار بما تتضمنه الآية من الإخبار النازل عن رتبة الثبات والدوام إلى رتبة الاختلاف والانقطاع كما أنه لما كان الذكر واقعاً في محل إعلاء في آية الأنعام قيل :{ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده{[12035]} }[ الأنعام : 90 ] ولما كان شأن الاختلاف والانقطاع غير مستغرب في محل النقص والإشكال وطأ لهذا الواقع بعد الرسل بأنه ليس من ذلك وأنه من الواقع بعد إظهار التفضيل وإبلاغ البينات لما يشاؤه من أمره - انتهى . ثم أتبع هذه الإشارة حالاً منها أو استئنافاً قوله : { فضلنا بعضهم على بعض } أي بالتخصيص بمآثر{[12036]} لم تجتمع لغيره {[12037]}بعد أن فضلنا الجميع بالرسالة{[12038]} .
ولما كان أكثر السورة في بني إسرائيل وأكثر ذلك في أتباع موسى عليه الصلاة والسلام بدأ بوصفه ، وثنى بعيسى عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه الناسخ لشريعته وهو آخر أنبيائهم ، فقال مبيناً لما أجمل من ذلك التفضيل{[12039]} {[12040]}بادئاً بدرجة الكلام لأنها من أعظم الدرجات لافتاً القول إلى مظهر الذات بما لها من جميع الصفات لأنه أوفق للكلام المستجمع للتمام{[12041]} :{ منهم مَّن كَلّمَ الله } {[12042]}أي بلا واسطة{[12043]} بما{[12044]} له من الجلال{[12045]} كموسى{[12046]} ومحمد وآدم عليهم الصلاة والسلام{[12047]} { ورفع بعضهم } وهو محمد صلى الله عليه وسلم{[12048]} على غيره ، ومن فوائد الإبهام الاستنباط بالدليل ليكون مع أنه أجلى أجدر بالحفظ وذلك الاستنباط أن يقال إنه سبحانه وتعالى قد عمهم بالتفضيل بالرسالة أولاً ، ثم بين أنه فضل بعضهم على غيره ، وذلك كله رفعة فلو كانت هذه مجرد رفعة لكان تكريراً فوجب أن يفهم أنها رفعة على أعلاهم ، وأسقط الفوقية هنا إكراماً للرسل بخلاف ما في الزخرف فقال معيناً بعض ما اقتضاه التفضيل{[12049]} : { درجات } أي عظيمة{[12050]} بالدعوة العامة والمعجزات الباقية ؛ والأتباع الكثيرة{[12051]} في الأزمان{[12052]} الطويلة ، من غير تبديل ولا تحريف ، وبنسخ شرعه لجميع الشرائع ، وبكونه رحمة للعالمين ، وأمته خير أمة أخرجت للناس ، وكونه خاتماً للنبيين الذين{[12053]} أرسلهم سبحانه وتعالى عند الاختلاف مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ، فلا نبي بعده ينسخ شريعته ، وإنما يأتي النبي الناسخ لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام مقرراً{[12054]} لشريعته مجدداً لما درس منها كما كان من أنبياء بني إسرائيل الذين{[12055]} بينه وبين موسى عليهم{[12056]} الصلاة والسلام ، ولما كان الشخص لا يبين{[12057]} فضله إلا بآثاره{[12058]} وكانت آيات موسى وعيسى{[12059]} عليهما الصلاة{[12060]} والسلام أكثر من آيات من {[12061]}سبقهما خصهما{[12062]} بالذكر إشارة إلى ذلك ، فكان فيه إظهار الفضل لنبينا صلى الله عليه وسلم ، لأنه لا نسبة لما أوتي أحد من الأنبياء إلى ما أوتي ، وإبهامه{[12063]} يدل على ذلك من حيث إنه إشارة إلى أن إبهامه في الظهور والجلاء كذكره{[12064]} ، لأن ما وصف به لا ينصرف إلا إليه{[12065]} .
ولما كان الناس واقفين مع الحس{[12066]} إلا الفرد النادر وكان لعيسى صلى الله عليه وسلم من تكرر الآيات المحسوسات كالإحياء والإبراء ما ليس لغيره ومع{[12067]} ذلك{[12068]} ارتد أكثرهم بعد رفعه عليه الصلاة والسلام قال{[12069]} صارفاً القول إلى مظهر العظمة تهديداً لمن كفر بعد ما رأى أو سمع من تلك الآيات الكبر : { وءاتينا{[12070]} } بما لنا من العظمة بالقدرة على كل شيء من الخلق والتصوير كيف نشاء وعلى غير ذلك { عيسى } ونسبه{[12071]} إلى أمه إشارة إلى أنه لا أب له فقال : { ابن مريم } أي الذي خلقناه منها بغير واسطة ذكرٍ أصلاً { البينات } من إحياء الموتى وغيره . قال الحرالي : والبينة ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده ، وذلك فيما أظهر{[12072]} الله سبحانه وتعلى على يديه من الإحياء والإماتة الذي هو من أعلى آيات الله ، فإن كل باد في الخلق ومتنزل في الأمر فهو من آيات الله ، فما كان أقرب إلى ما اختص الله تعالى به كان أعلى وأبهر ، وما كان مما يجري نحوه على أيدي خلقه كان أخفى وألبس إلا على من نبه الله قلبه لاستبصاره فيه { وأيدناه }{[12073]} أي بعظمتنا البالغة{[12074]} { بروح القدس } في إعلامه ذكر {[12075]}ما جعل{[12076]} تعالى بينه وبين عيسى{[12077]} عليه الصلاة والسلام في كيانه{[12078]} فجرى{[12079]} نحوه في عمله من واسطة الروح كما قال سبحانه وتعالى :{ فأرسلنا إليها روحنا{[12080]} }[ مريم : 17 ] كذلك كان فعله مع تأييده ؛ وفي ذلك بينه وبين موسى عليهما الصلاة والسلام موازنة ابتدائية ، حيث كان أمر موسى من ابتداء أمر التكليم الذي هو غاية سقوط الواسطة ، وكان أمر عيسى عليه الصلاة والسلام من ابتداء أمر الإحياء الذي هو غاية تصرف المتصرفين - انتهى .
ذكر شيء مما في الإنجيل من بيناته وحكمه وآياته
قال متى : أنتم ملح الأرض ، فإذا فسد الملح فبما{[12081]} ذا يملح{[12082]} ! لا يصلح لشيء لكن يطرح خارجاً وتدوسه{[12083]} الناس .
وقال لوقا : جيد هو الملح فإن{[12084]} فسد بما{[12085]} ذا يملح ! لا يصلح{[12086]} للأرض ولا المزبلة{[12087]} لكن خارجاً{[12088]} ، من كان له أذنان سامعتان فليسمع . وقال متى : أنتم نور العالم ، لا تستطيع مدينة تخفي{[12089]} وهي موضوعة على رأس جبل ، ولا يوقد سراج فيوضع تحت مكيال لكن يوضع على منارة و{[12090]} يضيء لكل من في البيت ، هكذا فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم{[12091]} الذي في السماوات ، لا تظنوا أني جئت لأخل{[12092]} الناموس أو{[12093]} الأنبياء ، لم آت لأخل{[12094]} بل لأكمل الحق{[12095]} ، أقول لكم إن السماء{[12096]} والأرض تزولان ، وخطة{[12097]} واحدة لا تزول من الناموس حتى يكون هذا كله ؛ فمن أخل إحدى{[12098]} هذه الوصايا الصغار وعلم الناس هكذا يدعى في ملكوت السماوات صغيراً ، والذي يعمل ويعلم هذا يدعى عظيماً في ملكوت السماء ؛ ثم قال : وإذا صليتم فلا تكونوا كالمرائين ، لأنهم يحبون القيام في المجامع وزوايا الأزقة يصلون ليظهروا للناس الحق ، أقول لكم : لقد أخذوا أجرهم ، وإذا صليت{[12099]} فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك عليك ، وصل لأبيك سراً{[12100]} وأبوك يرى السر فيعطيك علانية ، وإذا صليتم فلا تكثروا{[12101]} الكلام مثل الوثنيين ، لأنهم يظنون أنهم سيسمع لهم لكثرة{[12102]} كلامهم ، فلا تتشبهوا بهم ، لأن أباكم عالم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه{[12103]} ، وهكذا تصلون{[12104]} أنتم : أبانا الذي في السماوات ! قدوس اسمك ، يأتي ملكوتك ، تكون مشيئتك كما في السماء{[12105]} على الأرض ، خبزنا كفافنا{[12106]} أعطنا في اليوم ، واغفر لنا ما يجب علينا كما غفرنا لمن أخطأ إلينا ، ولا تدخلنا التجارب لكن نجنا من الشرير ، لأن لك{[12107]} المجد والقوة إلى الأبد - آمين . وقال مرقس{[12108]} : وإذا قمتم تصلون اغفروا لكل من لكم عليه لكيما أبوكم{[12109]} الذي في السماوات يترك{[12110]} لكم هفواتكم . وقال متى : فإن غفرتم للناس خطاياهم غفر لكم أبوكم السمائي خطاياكم ، وإن لم تغفروا للناس سيئاتهم{[12111]} لم يغفر لكم خطاياكم . وقال لوقا وكان يصلي في قفر{[12112]} فلما فرغ قال واحد من تلاميذه : يا رب ! علمنا نصلي كما علم يوحنا تلاميذه ، فقال لهم : إذا صليتم فقولوا : أبانا الذي في السماوات ! يتقدس اسمك ، يأتي ملكوتك ، تكون إرادتك كما{[12113]} في السماء كذلك على الأرض ، خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم ، اغفر لنا خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه ، ولا تدخلنا التجارب{[12114]} لكن نجنا من الشرير ؛ ثم قال لهم : من{[12115]} منكم له صديق يمضي إليه نصف الليل فيقول له : يا صديقي ! هبني ثلاث خبزات فإن صديقاً لي جاء إلي{[12116]} من طريق وليس لي ما أقدم إليه ، فيجيبه ذلك من داخل ويقول : لا تتعبني قد أغلقت بابي ، وأولادي معي على مرقدي ولا أقدر أقوم فأعطيك ، أقول لكم{[12117]} : إن لم يقم ويعطيه من أجل الصداقة فيقوم ويعطيه من أجل الحاجة ما يحتاج إليه ، وأنا أيضاً{[12118]} أقول لكم : سلوا تعطوا ، اطلبوا تجدوا ، اقرعوا يفتح لكم ، كل من سأل أعطي ، ومن طلب وجد ، ومن يقرع{[12119]} يفتح له .
وقال متى : وإذا صمتم{[12120]} فلا تكونوا كالمرائين لأنهم يعبسون وجوههم ويغيرونها ليظهروا للناس صيامهم ، الحق أقول لكم ، لقد أخذوا أجرهم ، وأنت إذا صمت ادهن رأسك واغسل وجهك لئلا يظهر للناس صيامك . وقال لوقا : من{[12121]} منكم له عبد يحرث أو يرعى فإذا جاء من الحقل يقول له للوقت{[12122]} : اصعد واجلس ، أو ليس يقول له : أعد لي ما آكله وشد حقويك ، واخدمني{[12123]} حتى آكل وأشرب ، ومن بعد ذلك تأكل {[12124]}وتشرب أنت{[12125]} ، هل لذلك العبد فضل عند ما فعل ما أمر به ! كذلك أنتم إذا فعلتم كل شيء أمرتم به قولوا : إنا عبيد بطالون{[12126]} ، إنما عملنا ما يجب علينا ؛ وقال أيضاً : فقال{[12127]} له واحد من الجمع : يا معلم ! قل لأخي : يقاسمني الميراث ، فقال له : يا إنسان ! من أقامني عليكم حاكماً أو مقسماً ! وقال لهم : انظروا وتحفظوا من كل الشره{[12128]} لأن الحياة ليست للإنسان بكثرة ماله ، وقال لهم مثلاً : إنسان غني أخصبت{[12129]} له كورة ففكر{[12130]} وقال : ماذا أصنع إذ ليس لي حيث أضع غلاتي ، أهدم أهرائي{[12131]} وأبنيها{[12132]} وأوسعها وأخزن هناك وأقول لنفسي : يا نفس ! لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة ، {[12133]}استريحي وكلي واشربي وافرحي ، فقال له الله سبحانه وتعالى : يا جاهل ! في هذه الليلة تنزع نفسك وهذا الذي أعددته لمن يكون هكذا ، من يدخر{[12134]} ذخائر وليس هو غنياً{[12135]} بالله . وقال متى : لا تكنزوا{[12136]} لكم كنوزاً في الأرض حيث الآكلة والسوس يفسد و{[12137]}لا ينقب{[12138]} السارقون يتحيلون{[12139]} فيسرقون ، اكنزوا{[12140]} لكم كنوزاً في السماء حيث لا آكلة ولا سوس يفسد ولا ينقب السارقون فيسرقون . وقال لوقا : بيعوا أمتعتكم وأعطوا رحمة فاجعلوا{[12141]} لكم أكياساً لا تبلى وكنوزاً في السماوات{[12142]} لا تفنى حيث لا يصل إليه سارق ولا يفسده سوس . وقال متى : لأنه{[12143]} حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم ، سراج الجسد العين ، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون{[12144]} نيراً ، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلماً ، فإذا كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلام ما هو ! ليس يستطيع إنسان يعبد ربين إلا أن يبغض الواحد ويحب{[12145]} الآخر أو{[12146]} يجل الواحد ويحتقر الآخر ، لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال ، فلهذا أقول لكم : لا تهتموا لنفوسكم بما تأكلون أو بما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون ، ألبس{[12147]} النفس ؛ وقال لوقا : لأن النفس أفضل من المآكل ، والجسد من اللباس{[12148]} ، انظروا إلى طيور السماء التي{[12149]} لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء وأبوكم السمائي{[12150]} يقوتها ، أليس أنتم بالحريين{[12151]} أن تكونوا أفضل منها ؛ وقال لوقا فيكم : أنتم أفضل من الطيور ، من منكم{[12152]} يهتم فيقدر أن يزيد على قامته{[12153]} ذراعاً واحداً ! فلماذا تهتمون{[12154]} باللباس ! اعتبروا بزهر الحقل كيف يتربى{[12155]} ولا يتعب ؛ وقال لوقا : تأملوا الزهر كيف ينمو بغير تعب ولا عمل - انتهى .
{[12156]}أقول لكم إن سليمان في{[12157]} كل مجده لم يلبس كواحدة منها ، فإذا كان زهر{[12158]} الحقل يكون اليوم وفي غد يطرح{[12159]} في التنور يلبسه الله هكذا فيكم أنتم أحرى يا قليلي الإيمان فلا تهتموا وتقولوا{[12160]} : ماذا {[12161]}نأكل ونشرب{[12162]} وماذا نلبس{[12163]} ؟ هذا كله يطلبه{[12164]} الأمم البرانية وأبوكم يعلم أنكم تحتاجون{[12165]} إلى{[12166]} هذا جميعه ، اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذا كله تزادونه ، لا تهتموا بالغد ، فالغد يهتم بشأنه ، ويكفي كل يوم شره ؛ وقال لوقا : تكون أوساطكم مشدودة{[12167]} وسرجكم موقودة ، كونوا متشبهين بأناس ينتظرون سيدهم متى يأتيهم من العرش {[12168]}لكي إذا جاء{[12169]} وقرع يفتحون له ، طوبى لأولئك العبيد الذين{[12170]} يأتي سيدهم فيجدهم مستيقظين ! الحق أقول لكم إنه يشد وسطه ويتكئون هم{[12171]} ويقف يخدمهم لذلك ، فطوبى لأولئك العبيد ! ثم قال : فقال له بطرس : يا رب ! من أجلنا تقول هذا المثل أم للجميع ؟ فقال : من ترى الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على حشمه{[12172]} يعطيهم طعامهم في حينه ؟ فطوبى لذلك العبد الذي يأتي سيده فيجده فعل هكذا ! الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع ماله ، فإن قال ذلك العبد الشرير في قلبه : إن سيدي يبطىء قدومه ويأخذ في ضرب عبيد سيده وإمائه ويأكل ويشرب ويسكر فيأتي سيده في يوم لا يظن وساعة لا يعلم{[12173]} فيشقه من وسطه ويجعل نصيبه مع الغير{[12174]} مؤمنين ، فأما العبد{[12175]} الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد{[12176]} ويعمل إرادة سيده فيضرب كثيراً ، {[12177]}والذي لا يعلم ويعمل ما يستوجب به الضرب يضرب يسيراً ، لأن من أعطى كثيراً يطلب كثيراً والذي استودع{[12178]} كثيراً يطلب بكثير ؛ وقال في موضع آخر : الأمين في القليل يكون أميناً في الكثير ، والظالم في القليل ظالم في الكثير ، فإن كنتم غير أمناء في مال الظلم فمن يأتمنكم في الحق ! وإن كنتم غير أمناء فيما ليس لكم فمن يعطيكم{[12179]} مالكم ! جئت لألقي ناراً في الأرض وما أريد إلا اضطرامها ، ولي صبغة أصطبغها{[12180]} ، وأنا مُجدّ لتكمل ، هل تظنون أني جئت لألقي سلامة في الأرض ! أقول لكم : يكون افتراق من الآن ، يكون خمسة في بيت ، واحد يخالف اثنين واثنان ثلاثةً ، يخالف الأب ابنه ، والابن أباه ، والأم ابنتها ، والابنة أمها ، والحمأة كنتها ، والكنة{[12181]} حمأتها . وقال متى : لا تدينوا لئلا تدانوا ، وبالكيل الذي تكيلون يكال لكم . وقال لوقا : لا تحبوا الحكم على أحد لئلا يحكم عليكم ، اغفروا يغفر لكم ، أعطوا تعطوا بمكيال صالح مملوء فائض ملقى في حضونكم ، لأنه بالكيل الذي تكيلون يكال لكم ، هل يستطيع أعمى أن يقود أعمى ! أليس يقعان كلاهما في حفرة ! وقال متى : لما ذا {[12182]} تنظر القذى الذي في عين أخيك ولا تفطن{[12183]} بالخشبة التي في عينك ، وكيف تقول لأخيك : دعني أخرج القذى من عينك .
وفي عينك{[12184]} خشبة{[12185]} يا مرائي ! أخرج أولاً الخشبة من عينك وحينئذ تنظر أن تخرج القذى من عين أخيك ، لا تعطوا القدس للكلاب{[12186]} ، ولا تلقوا جواهركم أمام الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وترجع فتزمنكم{[12187]} ، سلوا تعطوا ، اطلبوا تجدوا ، اقرعوا يفتح لكم . {[12188]}لأن كل{[12189]} من يطلب يجد ، ومن سأل يعط{[12190]} ومن يقرع يفتح له ، أيّ إنسان منكم يسأله ابنه خبزاً فيعطيه حجراً ! أو يسأله سمكة{[12191]} فيعطيه حية ! فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون تمنحون العطايا الصالحة لأبنائكم فكم بالحري أبوكم الذي في السماوات يعطي الخيرات لمن{[12192]} يسأله ! وكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوه أنتم بهم ؛ فهذا هو الناموس والأنبياء .
قال لوقا : وزوال السماء والأرض أسهل من أن يبطل من الناموس حرف واحد ؛ وقال أيضاً وقال لهم مثلاً{[12193]} : لكي يصلوا كل حين ولا يملوا ؛ قال : كان قاض{[12194]} في مدينة لا يخاف الله تعالى ولا يستحيي من الناس{[12195]} وكان في تلك المدينة أرملة وكانت تأتي إليه وتقول : أنصفني من خصمي ، ولم يكن يشاء{[12196]} إلى زمان ، وبعد ذلك قال في نفسه : إن كنت لا أخاف الله سبحانه وتعالى ولا أستحيي من الناس لكن من أجل هذه المرأة أحكم لها ولا تعود تعنفني وتأتي إليّ في كل حين لتتعبني{[12197]} ! قال الرب سبحانه وتعالى : اسمعوا ما قال قاضي الظلم ، أفليس الله أحرى أن ينتقم لمختاريه{[12198]} الذين يدعونه النهار{[12199]} والليل ! نعم أقول لكم إنه ينتقم لهم سريعاً .
وقال متى : ادخلوا من الباب الضيق ، فإن المسلك واسع ، والطريق المؤدية إلى الهلاك رحبة ، والداخلين{[12200]} فيها كثيرهم ، ما أضيق الباب وأكرب الطريق التي تؤدي إلى الحياة{[12201]} ! وقليل هم الذين يجدونها احذروا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم{[12202]} بلباس الحملان وداخلهم ذئاب{[12203]} خطفة ، ومن ثمارهم فاعرفوهم ، هل يجمع من الشوك عنب ومن العوسج تين ! هكذا كل شجرة{[12204]} صالحة{[12205]} تخرج ثمرة جيدة ، والشجرة الرديئة تخرج ثمرة شريرة ، لا تقدر{[12206]} شجرة صالحة تخرج{[12207]} ثمرة شريرة ، ولا شجرة رديئة تخرج ثمرة جيدة .
وقال لوقا : وكل شجرة تعرف من ثمرتها{[12208]} ليس يجمع من الشوك تين ، ولا يقطف من العليق عنب ، الرجل الصالح من الذخائر التي{[12209]} في قلبه يخرج الصالحات ، والشرير من ذخائره الشريرة يخرج الشر ، لأن من فضل ما في القلب ينطق الفم .
وقال متى : وكل شجرة لا تثمر ثمرة جيدة تقطع وتلقى في النار ، فمن ثمارهم تعرفونهم ، ليس كل من يقول : يا رب ! يا رب ! يدخل ملكوت السماوات ، لكن الذي يعمل إرادة الذي في السماوات أي أمره ، كثيرون يقولون لي في ذلك اليوم : يا رب ! يا رب ! أليس باسمك تنبأنا{[12210]} وباسمك أخرجنا الشياطين وباسمك صنعنا آيات كثيرة ! فحينئذ أعترف لهم أني ما{[12211]} أعرفكم قط ، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم .
وقال لوقا : فقال له واحد : يا رب ! قليل هم الذين ينجون ! فقال : احرصوا على الدخول من الباب الضيق ، فإني أقول لكم إن كثيراً يريدون الدخول منه فلا يستطيعون ، فإذا قام رب البيت يغلق الباب فعند ذلك يقفون خارجاً ويقرعون الباب ويقولون : يا رب ! يا رب ! افتح لنا ، فيجيب : لا أعرفكم ، من أين أنتم ؟ فيقولون : أكلنا قدامك وشربنا ، فيقول : ما أعرفكم ، من أين أنتم ؟ تباعدوا عني بأعمال الظلم ، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان .
قال متى : كل من يسمع كلماتي هذه ويعمل بها يشبه رجلاً عاقلاً بنى بيته على الصخرة .
وقال لوقا : بنى بيتاً{[12212]} وحفر وعمق ووضع الأساس على صخرة ، فنزل المطر وجرت الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فلم يسقط ، لأن أساسه ثابت على الصخرة ، وكل من يسمع كلماتي هذه ولا يعمل بها يشبه رجلاً جاهلاً بنى بيته على الرمل ، فنزل المطر وجرت الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فسقط وكان سقوطه عظيماً . وكان لما أكمل يشوع{[12213]} هذه الكلمات بهت الجميع من تعليمه ، لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كمثل كُتابهم .
وفيه مما يمتنع إطلاقه في شرعنا لفظ الأب والرب وسيأتي في آل عمران ما يشفي الغليل{[12214]} في تأويل مثل ذلك على تقرير صحته . وكل ما ورد من وصف الأنبياء بالكذبة فالمراد به المدعي للنبوة كذباً .
ولما تقدم أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسلاً وأنزل معهم كتباً ، وأنهم تعبوا ومستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى جمعوا الناس على الحق ، وأن أتباعهم اختلفوا بعد ما جاءتهم البينات كان مما يتوجه{[12215]} النفس للسؤال عنه سبب اختلافهم ، فبين أنه مشيئته سبحانه وتعالى لا غير إعلاماً بأنه الفاعل المختار فكان التقدير : ولو شاء الله سبحانه وتعالى لساوى بين الرسل في الفضيلة ، ولو شاء لساوى بين أتباعهم في قبول ما أتوا به فلم يختلف عليهم اثنان ، ولكنه لم يشأ ذلك فاختلفوا عليهم وهم{[12216]} يشاهدون البينات ، وعطف عليه قوله{[12217]} تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم{[12218]} لافتاً القول إلى التعبير بالجلالة إشارة إلى أن الاختلاف مع دلالة العقل على أنه لا خير فيه شاهد للخالق بجميع صفات الجلال والجمال { ولو شاء الله } أي الذي له جميع الأمر . قال الحرالي : وهي كلمة جامعة قرآنية محمدية تشهد الله وحده وتمحو عن الإقامة ما سواه - انتهى . { ما اقتتل } أي ما تكلف القتال{[12219]} مع أنه مكروه للنفوس { الذين من بعدهم } لاتفاقهم على ما فارقوا عليه نبيهم من الهدى . قال الحرالي : فذكر الاقتتال الذي إنما يقع بعد فتنة المقال بعد فتنة الأحوال بالضغائن{[12220]} والأحقاد بعد فقد السلامة{[12221]} بعد فقد الوداد بعد فقد المحبة الجامعة{[12222]} للأمة مع نبيها - انتهى { من بعد ما جآءتهم البينات } أي على أيدي رسلهم .
قال الحرالي : فيه إيذان بأن الوسائل والأسباب لا تقتضي آثارها{[12223]} إلا بإمضاء كلمة الله فيها - انتهى . {[12224]}{ ولكن اختلفوا } لأنه سبحانه وتعالى لم يشأ اتفاقهم على الهدى{[12225]} { فمنهم } أي فتسبب عن اختلافهم أن كان منهم { من آمن } أي ثبت على ما فارق عليه نبيه{[12226]} حسبما دعت إليه البينات فكان إيمانه هذا هو الإيمان في الحقيقة لأنه أعرق{[12227]} في أمر{[12228]} الغيب { ومنهم من كفر } ضلالاً عنها أو عناداً .
ولما كان من{[12229]} الناس من أعمى الله قلبه فنسب أفعال المختارين من الخلق إليهم استقلالاً قال تعالى معلماً أن الكل بخلقه تأكيداً لما مضى من ذلك {[12230]}معيداً ذكر الاسم الأعظم إشارة إلى عظم الحال في أمر القتال الكاشف لمن باشره في ضلال عن أقبح الخلال{[12231]} : { ولو شاء الله }{[12232]} {[12233]}الذي لا كفوء له{[12234]} { ما اقتتلوا{[12235]} } بعد اختلافهم بالإيمان والكفر ، {[12236]}وكرر الاسم الأعظم زيادة في الإعلام بعظم{[12237]} المقام { ولكن الله } أي بجلاله وعزّ{[12238]} كماله شاء اقتتالهم فإنه { يفعل ما يريد * } فاختلفوا واقتتلوا طوع{[12239]} مشيئته على خلاف طباعهم وما يناقض ما عندهم من العلم والحكمة .