ثم يتخذ السياق القرآني طريقاً آخر للإيحاء إلى نفس صاحب الدعوة بالرضى والقبول ، وذكر الله عند الغضب لأخذ الطريق على الشيطان ونزغه اللئيم :
( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) . .
وتكشف هذه الآية القصيرة عن إيحاءات عجيبة ، وحقائق عميقة ، يتضمنها التعبير القرآني المعجز الجميل . . إن اختتام الآية بقوله : ( فإذا هم مبصرون )ليضيف معاني كثيرة إلى صدر الآية . ليس لها ألفاظ تقابلها هناك . . إنه يفيد أن مس الشيطان يعمي ويطمس ويغلق البصيرة . ولكن تقوى الله ومراقبته وخشية غضبه وعقابه . . تلك الوشيجة التي تصل القلوب بالله وتوقظها من الغفلة عن هداه . . تذكر المتقين . فإذا تذكروا تفتحت بصائرهم ؛ وتكشفت الغشاوة عن عيونهم : ( فإذا هم مبصرون ) . . إن مس الشيطان عمى ، وإن تذكر الله إبصار . . إن مس الشيطان ظلمة ، وإن الاتجاه إلى الله نور . . إن مس الشيطان تجلوه التقوى ، فما للشيطان على المتقين من سلطان . .
{ إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان } لمة منه ، وهو اسم فاعل من طاف يطوف كأنها طافت بهم ودارت حولهم فلم تقدر أن تؤثر فيهم ، أو من طاف به الخيال يطيف طيفا . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب " طيف " على أنه مصدر أو تخفيف " طيف " كلين وهين ، والمراد بالشيطان الجنس ولذلك جمع ضميره . { تذكّروا } ما أمر الله به ونهى عنه . { فإذا هم مبصرون } بسبب التذكر مواقع الخطأ ومكايد الشيطان فيتحرزون عنها ولا يتبعونه فيها ، والآية تأكيد وتقرير لما قبلها وكذا قوله : { وإخوانهم يمدّونهم } .
إنما يمس المتقين طيفُ الشيطانِ في ساعات غفلتهم عن ذكر الله ، ولو أنهم استداموا ذكر الله بقلوبهم لما مسَّهم طائف الشيطان ، فإن الشيطانَ لا يَقرَبُ قلباً في حال شهوده الله ؛ لأنه ينخنس عند ذلك . ولكن لكل صارمٍ نبوة ، ولكلِّ عالمٍ هفوة ، ولكل عابدٍ شدة ، ولكل قاصدٍ فترة ، ولكل سائر وقفة ، ولكل عارفٍ حجبة ، قال صلى الله عليه وسلم : " إنه ليُغَان على قلبي . . . " أخبر أنه يعتريه ما يعتري غيرَه ، وقال صلى الله عليه و سلم : " الحِدَّةُ تعتري خيار أمتي " ، فأخبر أنَّ الأمة - وإنْ جَلَّتُ رُتْبَتَهُم لا يتخلصون عن حِدَّةٍ تعتريهم في بعض أحوالهم فَتُخْرِجُهم عن دوام الحِلْم .
قوله : { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } { طائف من الشطان } ، أي لم من الشيطان . واللمم ؛ الذنوب الصغيرة ؛ وللمم أيضا طرف من الجنون . واللمة ؛ بفتح اللام بمعنى المس . والعين اللامة ؛ التي تصيب بسوء . يقال : أعيذه من كل هامة ولامة{[1609]} ، فالمراد بالطائف ؛ ما يطوف بالمرء من وسوسة الشيطان . والطيف بمعنى اللمم والمس ، وهو أبلغ من النزغ . وهذا بيان لحال المؤمنين المتقين إذا طاف عليهم الشيطان بوساوسه { تذكروا } أي تذكروا ما أمرهم به الله وما نهاهم عنه ، وعرفوا ما عليهم في ذلك من العقاب . قوله : { فإذا هم مبصرون } أي منتبهون فمجتنبون ومنتهون عن الآثام .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.