مثل دأب قوم نوح : مثل جزاء ما كانوا عليه من الكفر ، وإيذاء الرسل ، حيث عذبهم الله واستأصلهم .
31- { مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد } .
أي : أخاف عليكم أن يكون حالكم وشأنكم كحال قوم نوح ، حين كذبوا نوحا فأغرقهم الله ، ومثل عاد الذين أهلكهم الله بريح صرصر عاتية ، ومثل ثمود الذين أهلكهم الله بالطاغية ، ومثل قوم لوط الذين دمّر الله عليهم قريتهم ، وجعل عاليها سافلها ، وهؤلاء وأشباههم كذّبوا رسلهم ، فاستحقوا عذاب الله عقابا عادلا على تجرؤهم على الرسل ، وعلى كفرهم بالله ورسله ، والله تعالى عادل منصف ، فلا يعاقب إلا بذنب ، وهو سبحانه لا يريد أن يظلم العباد ، لأنه كريم حليم .
وفي هذا المعنى قال تعالى : { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم . . . } ( النساء : 147 ) .
وقال سبحانه : { إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون } . ( يونس : 44 ) .
{ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ ( 31 ) }
مثلَ عادة قوم نوح وعاد وثمود ومَن جاء بعدهم في الكفر والتكذيب ، أهلكهم الله بسبب ذلك . وما الله سبحانه يريد ظلمًا للعباد ، فيعذبهم بغير ذنب أذنبوه . تعالى الله عن الظلم والنقص علوًا كبيرًا .
وقوله : { مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ والذين مِن بَعْدِهِمْ . . } بدل أو عطف بيان من قوله { مِّثْلَ يَوْمِ الأحزاب } .
والدأب : العادة الدائمة المستمرة يقال : دأب فلان على كذا . إذا داوم عليه وجد فيه ، ثم غلب استعماله فى الحال والشأن والعادة .
أى : أخاف عليكم أن يكون حالكم وشأنكم كحال قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم كقوم لوط ، فهؤلاء الأقوام كذبوا أنبياءهم فدمرهم الله - تعالى - تدميرا ، فاحذروا أن تسيروا على نهجهم بأن تقصدوا موسى - عليه السلام - بالقتل أو الإِيذاء ، فينزل بكم العذاب مثل ما نزل بهم .
{ وَمَا الله } - تعالى - { يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ } أى : فما أنزله - سبحانه - بهم من عذاب ، إنما هو بسبب إصرارهم على شركهم . وعلى الإِعراض عن دعوة أنبيائهم ، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .
قوله تعالى : { وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ( 30 ) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ( 31 ) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ( 32 ) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ( 33 ) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ( 34 ) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ } .
قال الرجل المؤمن لقومه ناصحا محذرا إياهم { إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ } أي مثل أيامهم التي غشيهم فيها من الانتقام ما غشيهم . وفي ذلك إشعار لهم بأنه يحب لهم الخير والنجاة ويخشى عليهم مما يسيئهم أو يكرهونه . والمراد بالأحزاب : قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم من الأمم الكافرة الضالة ؛ فقد كان لكل حزب منهم يوم دمار أهلكهم الله فيه ؛ فمرة هلك قوم نوح بالطوفان ، ومرة أهلك عادا بالريح العاتية ، وكذلك أهل ثمود بالصيحة ، وأهلك الذين من بعدهم من الضالين الخاسرين . وهو بذلك يحذر قوم فرعون مما حاق بأولئك السابقين ويخوفهم نزوله بهم لكي ينزجروا عن طغيانهم وباطلهم ، فيفيئوا إلى الحق والصواب بعبادة الله وحده لا شريك له .
قوله : { وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ } أي أن تدمير أولئك الظالمين ، وأخْذَهم بالعقاب والانتقام كان عدلا من الله ؛ لأنهم استوجبوا ما نزل بهم من الانتقام الشديد بسبب كفرهم وعتوهم وإيغالهم في الضلال والباطل وصدهم عن دين الله .