( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم ، نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ) . .
وكان هذا مظهرا من مظاهر نقض فريق لكل عهد يعاهدونه . فلقد كان ضمن الميثاق الذي أخذه الله عليهم ، أن يؤمنوا بكل رسول يبعثه ، وأن ينصروه ويحترموه . فلما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ، خاسوا بذلك العهد ، ونبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم ، يستوي في هذا النبذ كتاب الله الذي معهم ، والذي يتضمن البشرى بهذا النبي وقد نبذوه ، والكتاب الجديد مع النبي الجديد وقد نبذوه أيضا !
وفي الآية ما فيها من سخرية خفية ، يحملها ذلك النص على أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم . فلو كانوا هم المشركين الأميين لكان نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم مفهوما ! ولكنهم هم الذين أوتوا الكتاب . هم الذين عرفوا الرسالات والرسل . هم الذين اتصلوا بالهدى ورأوا النور . . وماذا صنعوا ؟ إنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ! والمقصود طبعا أنهم جحدوه وتركوا العمل به ، وأنهم أبعدوه عن مجال تفكيرهم وحياتهم . ولكن التعبير المصور ينقل المعنى من دائرة الذهن إلى دائرة الحس ؛ ويمثل عملهم بحركة مادية متخيلة ، تصور هذا التصرف تصويرا بشعا زريا ، ينضح بالكنود والجحود ، ويتسم بالغلظة والحماقة ، ويفيض بسوء الأدب والقحة ؛ ويدع الخيال يتملى هذه الحركة العنيفة . حركة الأيدي تنبذ كتاب الله وراء الظهور . .
ثم أتبع هذا الإنكار ذكر الكتاب والرسول كما فعل في الإنكار الأول غير أنه صرح هنا بما طواه هناك فقال : { ولما جاءهم رسول } أي{[4004]} عظيم محيطة{[4005]} دعوته بما أشعر به الاسم{[4006]} الأعظم في قوله { من عند الله } أي الملك الذي له{[4007]} جميع الملك والأمر { مصدق لما معهم } لكونه أتى بكتاب محقق أنه من عند الله لإعجاز نظمه وتصديق معناه لكتابهم { نبذ } أي رمى رمي استخفاف { فريق من الذين أوتوا الكتاب } الأول { كتاب الله } {[4008]}الملك الأعلى{[4009]} الذي أخذ عليهم فيه الميثاق على لسان نبيهم باتباع النبي الأمي أسوأ النبذ بجعله {[4010]}لاستخفافهم به{[4011]} { وراء ظهورهم }{[4012]} بتركهم للعمل به وإن حلوه بالذهب ووضعوه على الكراسي {[4013]}بين أيديهم{[4014]} . وأشعر بعنادهم بقوله : { كأنّهم لا يعلمون{[4015]} }
قوله : { ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم } المقصود بالرسول الذي جاء من عند الله هو النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأما الذين أوتوا الكتاب فهم اليهود ، فقد جاءهم نبي الإسلام عليه السلام يدعوهم إلى منهج الله الحق وفيه التصديق لما معهم من كتاب- وهي التوراة- لكن فريقا منهم جحدوا وكذبوا . وذلك يدفعهم بالتكذيب لكتاب الله الذين بين أيديهم " التوراة " وفيها ذكر هذا النبي الخاتم في وضوح مكشوف كان يستبين لكل قارئ ؛ وعلى ذلك فإن تكذيبهم لنبوة الرسول محمد لهو نبذ للتوراة نفسها لما فيها من تصديق مسبق بهذا النبي وبشرى مسطورة به من قبل أن يأتي .
قوله : { كأنهم لا يعلمون } نبذ هؤلاء التوراة بميلهم عما فيها من تصديق لنبي الإسلام ومضوا يجعلون أصابعهم في آذانهم ؛ كيلا يصيخوا لنداء الحق وكأنهم لا علم لهم بحقيقة الأمر مع أنهم على علم سابق بالحقيقة التي كانوا يقفون عليها وهم يقرؤون التوراة . ومن أصدق ما يجيء في هذه القضية قول الله عن هؤلاء القوم في القرآن : { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.