ثم ماذا ؟ ماذا بعد أن نبذوا كتاب الله المصدق لما معهم ؟ ؟ ألعلهم قد لاذوا بما هو خير منه ؟ ألعلهم قد لجأوا إلى حق لا شبهة فيه ؟ ألعلهم قد استمسكوا بكتابهم الذي جاء القرآن يصدقه ؟ كلا . . لا شيء من هذا كله . إنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ليجروا خلف أساطير غامضة لا تستند إلى حقيقة ثابتة .
( واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ، وما كفر سليمان ، ولكن الشياطين كفروا . يعلمون الناس السحر ، وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت . وما يعلمان من أحد حتى يقولا : إنما نحن فتنة فلا تكفر . فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه - وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله - ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم . ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون . ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ) . .
لقد تركوا ما أنزل الله مصدقا لما معهم ؛ وراحوا يتتبعون ما يقصه الشياطين عن عهد سليمان ، وما يضللون به الناس من دعاوى مكذوبة عن سليمان ، إذ يقولون : إنه كان ساحرا ، وإنه سخر ما سخر عن طريق السحر الذي كان يعلمه ويستخدمه .
والقرآن ينفي عن سليمان - عليه السلام - أنه كان ساحرا ، فيقول :
فكأنه يعد السحر واستخدامه كفرا ينفيه عن سليمان - عليه السلام - ويثبته للشياطين :
( ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) . .
ثم ينفي أن السحر منزل من عند الله على الملكين : هاروت وماروت . اللذين كان مقرهما بابل :
( وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) . .
ويبدو أنه كانت هناك قصة معروفة عنهما ، وكان اليهود أو الشياطين يدعون أنهما كانا يعرفان السحر ويعلمانه للناس ، ويزعمان أن هذا السحر أنزل عليهما ! فنفى القرآن هذه الفرية أيضا . فرية تنزيل السحر على الملكين .
ثم يبين الحقيقة ، وهي أن هذين الملكين كانا هناك فتنة وابتلاء للناس لحكمة مغيبة . وأنهما كانا يقولان لكل من يجيء اليهما ، طالبا منهما أن يعلماه السحر :
( وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ) . .
ومرة أخرى نجد القرآن يعتبر السحر وتعلمه واستخدامه كفرا ؛ ويذكر هذا على لسان الملكين : هاروتوماروت .
وقد كان بعض الناس يصر على تعلم السحر منهما ، على الرغم من تحذيره وتبصيره . وعندئذ تحق الفتنة على بعض المفتونين :
( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) . .
وهو الأذى والشر الذي حذرهم منه الملكان . .
وهنا يبادر القرآن فيقرر كلية التصور الإسلامي الأساسية ، وهي أنه لا يقع شيء في هذا الوجود إلا بإذن الله :
( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ) . .
فبإذن الله تفعل الأسباب فعلها وتنشىء آثارها وتحقق نتائجها . . وهذه قاعدة كلية في التصور لا بد من وضوحها في ضمير المؤمن تماما . وأقرب ما يمثل هذه القاعدة في مثل هذا المقام ، أنك إذا عرضت يدك للنار فإنها تحترق . ولكن هذا الاحتراق لا يكون إلا بإذن الله . فالله هو الذي أودع النار خاصية الحرق وأودع يدك خاصية الاحتراق بها . وهو قادر على أن يوقف هذه الخاصية حين لا يأذن لحكمة خاصة يريدها ؛ كما وقع لإبراهيم - عليه السلام - وكذلك هذا السحر الذي يفرقون به بين المرء وزوجه ، ينشىء هذا الأثر بإذن الله . وهو قادر على أن يوقف هذه الخاصية فيه حين لا يأذن لحكمة خاصة يريدها . . وهكذا بقية ما نتعارف عليه بأنه مؤثرات وآثار . . كل مؤثر مودع خاصية التأثير بإذن الله ، فهو يعمل بهذا الإذن ، ويمكن أن يوقف مفعوله كما أعطاه هذا المفعول حين يشاء . .
ثم يقرر القرآن حقيقة ما يتعلمون ، وما يفرقون به بين المرء وزوجه . . إنه شر عليهم هم أنفسهم لا خير :
( ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ) . .
ويكفي أن يكون هذا الشر هو الكفر ليكون ضرا خالصا لا نفع فيه !
( ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ) . .
ولقد علموا أن الذي يشتريه لا نصيب له في الآخرة ، فهو حين يختاره ويشتريه يفقد كل رصيد له في الآخرة وكل نصيب . .
فما أسوأ ما باعوا به أنفسهم لو كانوا يعلمون حقيقة الصفقة :
ولما كانت سنة الله جارية بأنه ما أمات أحد سنة إلا زاد في خذلانه بأن أحيى على يده بدعة أعقبهم نبذهم لكلام الله أولى الأولياء إقبالهم على كلام الشياطين الذين هم أعدى الأعداء فقال تعالى : { واتبعوا ما تتلوا } أي {[4016]}تقرأ أو تتبع{[4017]} ، {[4018]}وعبر بالمضارع إشارة إلى {[4019]}كثرته وفشوه{[4020]} واستمراره { الشياطين على ملك } أي زمن{[4021]} ملك { سليمان } من السحر الذي هو كفر . قال الحرالي : من حيث إن حقيقته أمر يبطل بذكر اسم الله ويظهر أثره فيما قصر عليه من التخييل والتمريض ونحوه بالاقتصار به من{[4022]} دون اسم الله الذي هو كفر - انتهى . وكأن السحر كان في تلك الأيام ظاهراً عالياً على ما يفهمه التعبير بعلى{[4023]} ، وأحسن من هذا أن يضمن { تتلوا } تكذب{[4024]} ، فيكون التقدير : تتلو كذباً على ملكه ، كما أشار إليه ما رواه البغوي وغيره عن الكلبي وكذا ما روي عن السدي ، {[4025]}وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان{[4026]} الرازي في كتاب الزينة : وروى في الحديث : " أنه لما مات سليمان عليه السلام عمدت الشياطين فكتبت أصناف السحر : من كان يحب أن يبلغ كذا فليفعل كذا ، وجعلوه في كتاب ثم ختموه بخاتم سليمان وكتبوا في عنوانه : هذا كتاب آصف بن برخيا الصديق لسليمان{[4027]} بن داود عليهما السلام من ذخائر كنوز العلم ، ثم دفنوه تحت كرسيه ؛ فاستخرجه بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين أحدثوا ما أحدثوا ، فلما عثروا عليه قالوا : ما كان ملك سليمان إلا بهذا ، فأفشوا السحر في الناس ، فليس هو في أحد أكثر منه في يهود " انتهى .
وسليمان - على ما ذكر في أول إنجيل متّى أثناء إنجيل لوقا - هو ابن داود بن لَسَّى{[4028]} ابن عونيد{[4029]} بن باعاز{[4030]} بن سلمون بن يصون بن عميناداب{[4031]} بن أرام بن يورام بن حصرون{[4032]} بن فارض بن يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام والحاصل أنهم مع تركهم للكتب المصدقة لما معهم ، الكفيلة بكل هدى وبركة ، الآتية من عند الله المتحبب إلى عباده بكل جميل ، على ألسنة رسله الذين هم أصدق الناس وأنصحهم وأهداهم ، لا سيما هذا الكتاب المعجز الذي كانوا يتباشرون بقرب زمن صاحبه ، اتبعوا السحر الذي هو أضر الأشياء وأبشعها{[4033]} ، الآتي به الشياطين الذين هم{[4034]} أعدى الأعداء{[4035]} وأفظعها{[4036]} ، وأعجب ما في ذلك أنهم نسبوا السحر إلى سليمان عليه السلام كذباً وفجوراً وكفروه به ثم كانوا هم أشد الناس تطلباً له ومصاحبة علماً وعملاً وأكثر ما يوجد فيهم ، فكانوا بذلك شاهدين على أنفسهم بالكفر ؛ ومن المحاسن أيضاً أنه لما كان قوله :
ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل{[4037]} }[ البقرة : 87 ] وما بعده في{[4038]} الكتب والأنبياء{[4039]} والرسل من البشر والملائكة كانت فذلكته{[4040]} أن الكفرة من أهل الكتاب نبذوا ذلك كله ونابذوه{[4041]} وأقبلوا على السحر الذي كان إبطاله من أول معجزات نبيهم وأعظمها ؛ فهو أشد شيء منافاة لشرعهم مع علمهم بأن ذلك{[4042]} يضرهم في الدارين ولا ينفعهم .
ولما اعتقد أهل الكتاب بعد موت سليمان{[4043]} عليه السلام أن السحر منه ، وأن انتظام ملكه على الإنس والجن والطير والوحش والريح إنما كان به ، نفى الله تعالى ذلك عنه بقوله : { وما كفر سليمان{[4044]} } ، قال الحرالي : يقال{[4045]} هو {[4046]}من السلامة ، فإنه من سلامة صدره{[4047]} من تعلقه بما خوله الله تعالى من ملكه{ هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر{[4048]} }[ النمل : 40 ] وهو واحد كمال{[4049]} في ملك العالم المشهود من الأركان الأربعة وما منها من المخلوقات - انتهى . أي ما وقع منه{[4050]} كفر ما فضلاً عن أن يكون بالسحر الذي هو أبعد الأشياء عن آيات الأنبياء { ولكن الشياطين كفروا } .
ثم بين كفرهم بقوله : { يعلمون الناس }{[4051]} أي المضطرين{[4052]} الذين لم يصلوا إلى سِنّ الذين آمنوا { السحر } أي الذي ولدوه هم بما يزينونه من حاله{[4053]} ليعتقد{[4054]} أنه مؤثر بنفسه ونحو ذلك ، كما أن الأنبياء{[4055]} وأتباعهم يعلمون الناس الحق بما يبينونه{[4056]} من أمره . والسحر قال الحرالي : هو قلب الحواس في مدركاتها عن الوجه المعتاد لها في صحتها عن سبب باطل لا يثبت مع ذكر الله عليه . وقال الكرماني : أمر خارق للعادة صادر{[4057]} عن نفس شريرة{[4058]} لا تتعذر{[4059]} معارضته . {[4060]}وقال الأصفهاني : اختلفوا في تعلمه على ثلاثة أوجه : أحدها{[4061]} أنه حرام ، الثاني أنه مكروه ، الثالث أنه مباح ، والحق أنه إن كان تعلمه للعمل فهو حرام ، وإن كان لتوقيه وعدم الاغترار به فهو مباح{[4062]} ، وقال : {[4063]}والمراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان ، وذلك لا يستتب{[4064]} إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس ، فإن التناسب شرط في التضام والتعاون وبهذا يميز الساحر عن{[4065]} الولي والنبي{[4066]} ؛ وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه{[4067]} صاحب خفة{[4068]} اليد فغير حرام ، وتسميته سحراً{[4069]} على التجوز{[4070]} لما فيه من الدقة{[4071]} ، لأنه في الأصل لما خفي سببه .
وقوله : { وما } ، أي واتبعوا{[4072]} أو ويعلمون { ما أنزل على الملكين } قال الحرالي : فيه إنباء بأن هذا التخييل ضربان : مودع في الكون هو أمر الشياطين ، ومنزل من غيب{[4073]} هو المتعلم من الملكين{[4074]} ؛ وقال : { ببابل } تحقيقاً لنزولهما إلى الأرض { هاروت وماروت } بدل من الملكين ، كأنهما لما كانا مع الحاجة إليهما لا يحتاجان إلى أحد{[4075]} وُصفا أيضاً بكونهما ملكين - بكسر اللام ، وعبارة الحرالي : ملَكان جعلا ملِكين في الأرض ، والآية من إظهار الله للملائكة {[4076]}أفضل الخليفة{[4077]} . ثم بين نصيحة الملكين بقوله{[4078]} : { وما } فأنبأ أن التقدير : وما كفر الملكان كما كفر الشياطين فإنهما ما { يعلمان } ، وزيادة من في قوله{[4079]} : { من أحد } لتأكيد الاستغراق { حتى يقولا إنما نحن فتنة } أي على صورة الاختبار{[4080]} من الله لعباده ، {[4081]}فإنه يعلم نبأ من يختار السحر لما فيه من النفع العاجل على أمر النبوة فيكفر ، ومن يعلم حقيقته لئلا{[4082]} يقع فيه وهو لا يشعر ثم يتركه إقبالاً على دين الله ؛ ووحد والمخبر عنه اثنان لأنها مصدر وهو لا يثنى ولا يجمع . {[4083]}قال الحرالي{[4084]} : وأصل معناها من فتن الذهب وهو تسخيره{[4085]} ليظهر جوهره ويتخلص طيبه من خبيثه - انتهى . { فلا تكفر }{[4086]} بالعمل بما نعلمكه ، فإن العمل به كفر{[4087]} ، أو باعتقاد أنه حق مغن عما جاء عن الله ، أو مؤثر بنفسه{[4088]} { فيتعلمون منهما ما يفرقون به } مخالفة للملكين في النهي عن ذلك ، وذكر الفرقة في أشد الاتصال{[4089]} ليفهم منه ما دونه فقال : { بين المرء{[4090]} وزوجه } ، والمرء اسم سن من أسنان الطبع يشارك الرجل به المرأة ويكون له فيه{[4091]} فضل ما ويسمى معناه المروة - قاله الحرالي .
ولما ذكر السبب القريب{[4092]} للضرر رده إليه ترقية{[4093]} للذهن الثاقب إلى أعلى{[4094]} المراتب وصوناً له عن اعتقاد ما لا يناسب فقال : { وما هم بضارين } وهو من الضر - بالفتح والضم - وهو ما يؤلم الظاهر من الجسم وما يتصل بمحسوسه ، في مقابلة الأذى وهو إيلام النفس وما يتصل بأحوالها ، وتشعر{[4095]} الضمة في الضر بأنه عن علو{[4096]} وقهر ، والفتحة بأنه ما يكون عن مماثل ونحوه ، وقل ما يكون عن الأدنى{[4097]} إلا أذى ومنه
{ لن يضروكم إلا أذى }{[4098]} [ آل عمران : 111 ] قاله الحرالي : { به من أحد } . ولما أكد استغراقه بضروب من التأكيد تلاه بمعيار{[4099]} العموم فقال : { إلا بإذن الله{[4100]} } {[4101]}المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ولا كفؤ له{[4102]} ، وفيه إعلام لهم بأن ضرره {[4103]}لرسول الله{[4104]} صلى الله {[4105]}عليه وسلم{[4106]} ذلك الضرر الضعيف حيث سحره لبيد بن الأعصم إنما هو كضرر غيره من الأسباب التي قد تخفى فيضاف الأمر في ضررها إلى الله تعالى ، وقد تعرف{[4107]} فيضاف الضرر إليها كما كان يحصل لغيره من إخوانه من الأنبياء منهم ومن غيرهم ، والعلم حاصل بأن المؤثر في الجميع في الحقيقة هو الله تعالى ، وسيأتي عند قوله تعالى : وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها }[ الأنعام : 97 ] في سورة الأنعام{[4108]} ما ينفع استحضاره هنا .
ولما كان هذا الذي تقدم{[4109]} وإن كان للعامل{[4110]} به{[4111]} نفع على زعمه فضره أكبر من نفعه اتبعه قسماً{[4112]} آخر ليس للعامل{[4113]} به شيء غير الضر ؛ فليس الحامل على تعلمه إلا إيثاراً للحاق بإبليس وحزبه فقال{[4114]} : { ويتعلمون } ، أي من السحر الذي ولده الشياطين لا من{[4115]} الملكين { ما يضرهم } لأن مجرد العمل به كفر أو معصية ثم حقق أنه ضرر كله لا شائبة للنفع{[4116]} فيه بقوله{[4117]} : { ولا{[4118]} ينفعهم } لأنه لا{[4119]} تأثير له أصلاً ، والنفع وصول موافق الجسم الظاهر وما يتصل به في مقابلة الضر ، ولذلك يخاطب به الكفار كثيراً لوقوع{[4120]} معنيهما{[4121]} في الظاهر الذي هو مقصدهم من ظاهر الحياة الدنيا - قاله الحرالي .
ثم أتبعه ما يعرف أنهم ارتكبوه على علم فقال محققاً مؤكداً : { ولقد علموا } ، بياناً لأنهم أسفه الناس { لمن اشتراه } أي آثره على ما يعلم نفعه من الإيمان{[4122]} { ما له في الآخرة } {[4123]}الباقية الباقي نفعها { من خلاق } أي نصيب موافق أصلاً ، والخلاق الحظ اللائق لمن يقسم له النصيب من الشيء كأنه موازن{[4124]} به خلق نفسه وخلق جسمه - قاله الحرالي .
ثم جمع لهم المذامّ{[4125]} على وجه التأكيد فقال : { ولبئس ما شروا } ، أي باعوا على وجه اللجاجة { به أنفسهم } إشارة إلى أنه مما أحاط بهم فاجتثت{[4126]} نفوسهم من أصلها فأوجب لهم الخلود في النار ، ثم قال بعد إثبات العلم لهم : { لو كانوا يعلمون } ، أي لو كان لهم قابلية لتلقي واردات{[4127]} الحق ، إشارة إلى أن هذا لا يقدم عليه من له أدنى علم ، فعلمهم الذي أوجب لهم الجرأة على هذا عدم بل العدم خير منه .
قوله : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } الواو للعطف ، والفعل المضارع بعدها معطوف على الفعل نبذ ، والمقصود أن ذلك الفريق من اليهود نبذوا التوراة التي تنطوي على ذكر نبي الإسلام واتبعوا بدلا من ذلك ما كانت الشياطين تتلوه زمن سليمان عليه السلام .
أما الذي كانت الشياطين تتلوه على عهد سليمان فهو السحر الذي قيل إن الشياطين كانت تتبعه وتقرأه على الناس زاعمين أنه من صنع سليمان . والحقيقة أن ذلك السحر ما كان من صنع سليمان ، بل إن من كيدهم وخبثهم . وحقيقة المسألة- فيما ذكره ابن عباس- أن سليمان عليه السلام قد دفن تحت كرسيه ما اطلع عليه من كتبهم في السحر . ولما توفي عليه السلام ظهر الإنس والجن على الكتب ، وقالوا هذا كتاب من الله نزل على سليمان فأخذوا به وجعلوه دينا لهم ، فأنزل الله تكذيبا لهم ، فقال سبحانه : ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) وفي هذا دلالة على أن السحر ضرب من الكفر يورد المتشبثين به موارد الشرك والضلالة . وكذلك فإن الآية تنفي أن يكون السحر من صنع سليمان ، ولكنه من صنع الشياطين فهم الذين اختلقوه وابتدعوه ، وهم كذلك الذين افتروا على سليمان بقولهم : إنه كان يخفي تحت كرسيه سحرا . وحاشا لله فما كان لنبي أن تكون له أدنى علاقة بسحر ، ولكنها النبوة الصادقة الميمونة ، والوحي القدسي الكريم الذي يتنزل على هذا النبي المقصود بخبر السماء .
وبذلك فإن السحر لهو من اختلاق الشياطين الذين يعلّمون الناس إياه . وكذلك يعلمونهم كما قال سبحانه : { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت } وما نريد أن نقول في ذلك شططا ، ولا نفلت العنان للقلم والكلام في هذه المسألة فنذهب بعيدا إلى ما يقرّبنا من الزلل .
والذي نستطيع ذكره في توضيح هذه القضية ببساطة أن الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر ، ويعلمونهم ما أنزل الله على الملكين ببابل وهما هاروت وماروت ، بدل من الملكين .
أما الذي أنزل على هاروت وماروت ببابل فكان سحرا ، وهو ابتلاء من الله للناس على سبيل الفتنة ، ويكشف عن هذا المدلول قوله تعالى : { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } . وعلى هذا فإن سليمان لم يكفر ، وكذلك فإن الملكين ببابل لم يكفرا ، لكن الله جعلهما ببابل وأنزل عليهما السحر ، فتنة للناس وليبتليهم بهما وبما أنزل عليهما . ويدل على ذلك قولهما لمن يأتيهما من الناس : ( إنما نحن فتنة فلا تكفر فكأنهما يشرحان للناس ما أنزل عليهما من بلاء وفتنة ثم يحذران كذلك من اتباع السحر .
ذلك الذي نستطيع ذكره هنا ولا نمضي في هذه القضية أكثر من ذلك ، خشية الزلل والتكلف . وقوله : { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } يراد بواو الجماعة في قوله { فيتعلمون } " السحرة " فهم الذين يقبلون على الملكين هاروت وماروت ليأخذوا منهما السحر من غير أن يعبأوا بالتحذير والنصيحة المقدمين من هذين الملكين قبل التعليم . بل كان السحرة يتعلمون منهما هذا الفن المحظور رغم النصيحة والزجر ، ثم يمضون في الناس يفرقون بين المرء وزوجه بسحرهم والنفث فيهم .
قوله : ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ) ذلك نفي من الله لوقوع الضرر عن طريق السحر . والضمير ( هم ) بعد يعود على السحرة وقيل على اليهود ، وقيل على الشياطين .
والمهم في ذلك أن هؤلاء الأشقياء لن يوقعوا بسحرهم ضررا بأحد ( إلا بإذن الله ) أي بإرادته وقضائه ، لا بأمره فإن الله سبحانه لا يأمر بالشر والباطل ، لكنه سبحانه لا يندّ عن إرادته وقضائه شيء أو حدث .
وفي الآية كذلك تقرير بأن الذين يمارسون السحر إنما يتعلمون ما ليس لهم فيه نفع أو خير ، ولكنه يعود عليهم بالضرر في هذه الدنيا حيث الإهانة والزراية والنكال الذي يجب أن يحيق بالساحر المفتري الدجال . وكذلك فإن الضرر يعود عليهم في الآخرة حيث العذاب الأشد الذي يحيط بهذا الصنف من البشر الكاذب المحتال .
وقوله : { ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق } يؤكد الله جلت قدرته أن هؤلاء اليهود يعلمون ألاّ خلاق لمن آثروا السحر على دين الله القويم الذي جاءهم وهو
الإسلام والخلاق هو النصيب واللازم في { لمن اشتراه } لام الابتداء . من بمعنى الذي في محل رفع مبتدأ . وخبره قوله : { ما له في الآخرة من خلاق } واشتراه ، صلة الموصول{[101]} .
وقوله : { ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } يندد الله سبحانه بما باعث به يهود أنفسهم للشيطان حينما رضوا بالسحر بدلا من دعوة الحق التي دعاهم إليها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . فبئس ما صنع هؤلاء من صفقة خاسرة سوف تودي بهم إلى الهلاك والتخسير لو كانوا يعلمون ذلك .