في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ} (22)

18

( أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة . وما لهم من ناصرين ) .

وبطلان لأعمالهم في الدنيا والآخرة في تعبير مصور . فالحبوط هو انتفاخ الدابة التي ترعى نبتا مسموما ، توطئة لهلاكها . . وهكذا أعمال هؤلاء قد تنتفخ وتتضخم في الأعين . ولكنه الانتفاخ المؤدي إلى البطلان والهلاك ! حيث لا ينصرهم ناصر ولا يدفع عنهم حام !

وذكر الكفر بآيات الله مصحوبا بقتل النبيين بغير حق - وما يمكن أن يقتل نبي ثم يكون هناك حق - وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس - أي الذين يأمرون باتباع منهج الله القائم بالقسط المحقق وحده للقسط . . ذكر هذه الصفات يوحي بأن التهديد كان موجها لليهود ، فهذه سمتهم في تاريخهم يعرفون بها متى ذكرت ! ولكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام موجها للنصارى كذلك . فقد كانوا حتى ذلك التاريخ قتلوا الألوف منأصحاب المذاهب المخالفة لمذهب الدولة الرومانية المسيحية - بما فيهم من جاهروا بتوحيد الله تعالى وبشرية المسيح عليه السلام - وهؤلاء ممن يأمرون بالقسط . . كما أنه تهديد دائم لكل من يقع منه مثل هذا الصنيع البشع . . وكثير ما هم في كل زمان . .

ويحسن أن نتذكر دائما ماذا يعني القرآن بوصف ( الذين يكفرون بآيات الله ) . . فليس المقصود فقط من يعلن كلمة الكفر . إنما يدخل في مدلول هذا الوصف من لا يقر بوحدة الألوهية ، وقصر العبودية عليها . وهذا يتضمن بصراحة وحدة الجهة التي تصرف حياة العباد بالتشريع والتوجيه والقيم والموازين . . فمن جعل لغير الله شيئا من هذا ابتداء فهو مشرك به أو كافر بألوهيته . ولو قالها ألف مرة باللسان ! وسنرى في الآيات التالية في السياق مصداق هذا الكلام . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ} (22)

ولما كان الحال ربما اقتضى أن يقال من بعض أهل الضلال : إن لهؤلاء أعمالاً حساناً واجتهادات في الطاعة{[15784]} عظيمة ، بيّن تعالى أن تلك الأفعال مجرد صور لا معاني لها لتضييع{[15785]} القواعد ، كما أنهم هم{[15786]} أيضاً ذوات بغير قلوب ، لتقع المناسبة بين الأعمال والعاملين فقال : { أولئك } أي البعداء البغضاء { الذين حبطت } أي فسدت فسقطت ، وأشار بتأنيث الفعل إلى ضعفها من أصلها { أعمالهم } أي كلها الدنياوية والدينية{[15787]} ، وأنبأ تعالى بقوله : { في الدنيا } كما قال الحرالي - أنهم يتعقبون أعمال خيرهم ببغي يمحوها{[15788]} فلا يطمعون بجزائها{[15789]} في عاجل{[15790]} ولا آجل{[15791]} ، وبذلك تمادى عليهم الذل وقل منهم المهتدي - انتهى . { والآخرة } فلا يقيم{[15792]} لهم الله{[15793]} في يوم الدين وزناً ، وأسقط ذكر الحياة إشارة إلى أنه{[15794]} لا حياة لهم في واحدة من الدارين .

ولما كان التقدير : فلا ينتصرون{[15795]} بأنفسهم{[15796]} أصلاً ، فإنهم لا يدبرون تدبيراً إلا كان فيه تدميرهم{[15797]} ، عطف عليه قوله : { وما لهم من ناصرين * } قال الحرالي : فيه إعلام{[15798]} بوقوع الغلبة{[15799]} عليهم غلبة لا نصرة{[15800]} لهم فيها في{[15801]} يوم النصر الموعود في سورة الروم التي هي تفصيل{[15802]} من معنى هذه السورة في قوله تعالى :

{ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء{[15803]} }[ الروم : 4 ، 5 ] فهم غير داخلين فيمن ينصر{[15804]} بما قد ورد أنهم{[15805]} " يقتلون في آخر الزمان حتى يقول الحجر : يا مسلم ! خلفي يهودي فاقتله ، حتى لا يبقى منهم إلا من{[15806]} يستره شجر{[15807]} الفرقد " كما قال صلى الله عليه وسلم : " إنه من شجرهم " وفي إفهامه أن طائفة من أهل الإنجيل يقومون بحقه ، فيكونون ممن تشملهم{[15808]} نصرة الله سبحانه وتعالى مع المسلمين ، فتنتسق{[15809]} الملة واحدة مما يقع من الاجتماع حين تضع الحرب أوزارها - انتهى .


[15784]:ي ظ: الطاعات.
[15785]:ن ظ ومد، وفي الأصل: التضييع.
[15786]:قط من ظ.
[15787]:ن ظ ومد، وفي الأصل: الدسه ـ كذا.
[15788]:ي ظ : يمحونها، وفي مد: تمحوها.
[15789]:ي مد: بجرائها.
[15790]:ي ظ: العاجل ولا الآجل.
[15791]:ي ظ: العاجل ولا الآجل.
[15792]:في ظ: الله لهم.
[15793]:ي ظ: الله لهم.
[15794]:ي مد: أنهم.
[15795]:ن ظ ومد، وفي الأصل: تنصر وما ـ كذا.
[15796]:ي ظ: لأنفسهم.
[15797]:ن ظ ومد، وفي الأصل: تدبيرهم.
[15798]:ي ظ: أعلم.
[15799]:ي ظ: القتلة.
[15800]:ي ظ: مصيرة.
[15801]:قط من ظ.
[15802]:ي ظ: مفضل.
[15803]:ورة 30 آية 4 و 5.
[15804]:ن ظ ومد، وفي الأصل: يبصر.
[15805]:ن ظ ومد، وفي الأصل: فأنهم.
[15806]:قط من ظ.
[15807]:ي ظ: شجرة.
[15808]:ن مد، وفي الأصل وظ: تشتملهم.
[15809]:ن مد، وفي الأصل: فتلق، وفي ظ: فتسلق.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ} (22)

يضاف إلى ذلك كله ما يصير إليه هؤلاء القتلة من الحبوط في الدنيا والآخرة . والحبوط أو الحبط هو وجع يصيب البعير في بطنه من كلأ يأكله ويكثر منه فتنتفخ منه{[433]} . وذلك تصوير رعيب لحال الظالمين الذين تذهب حياتهم وأعمالهم هدرا بغير حساب أو قيمة لحبوطها

( بطلانها ) وذلك في الدنيا والآخرة .

وأما حبوط أعمالهم في الدنيا فمقتضاه أن لا ينالوا بها محمدا ولا ثناء من الناس ، لأنهم كانوا على ضلال وباطل ولم يرفع الله لهم بها ذكرا ، بل لعنهم وهتك أستارهم وأبدى ما كانوا يخفون من قبائح أعمالهم على ألسن أنبيائه ورسله في كتبه التي أنزلها عليهم فأبقى لهم ما بقيت في الدنيا مذمة ، وذلك حبوطها في الدنيا ، وأما حبوطها في الآخرة فهو بطلانها وذهابها هدرا بغير ثواب فوق ما يصيرون إليه من سوء الجزاء وهو الخلود في الجحيم ، وليس لهم في كل أحوالهم من نصير ولا مجير ينفعهم أو يدرأ عنهم شيئا من العذاب{[434]} .


[433]:- القاموس المحيط جـ 2 ص 366.
[434]:- تفسير الطبري جـ 3 ص 145 وتفسير الرازي جـ 7 ص 233.