في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا} (161)

148

بذلك يحسم القرآن الكريم قصة الصلب . ثم يعود بعدها إلى تعداد مناكر اليهود ؛ وما نالهم عليها من الجزاء الأليم في الدنيا والآخرة .

( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم . وبصدهم عن سبيل الله كثيرا . وأخذهم الربا وقد نهوا عنه . وأكلهم أموال الناس بالباطل . وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليمًا ) . .

فيضيف إلى ما سبق من مناكرهم هذه المنكرات الجديدة : الظلم . والصد الكثير عن سبيل الله . فهم ممعنون فيه ودائبون عليه .

وأخذهم الربا - لا عن جهل ولا عن قلة تنبيه - فقد نهوا عنه فأصروا عليه ! وأكلهم أموال الناس بالباطل . بالربا وبغيره من الوسائل .

بسبب من هذه المنكرات ، ومما أسلفه السياق منها . . حرمت عليهم طيبات كانت حلالا لهم . وأعد الله للكافرين منهم عذابا أليمًا .

وهكذا تتكشف هذه الحملة عن كشف طبيعة اليهود وتاريخهم ؛ وفضح تعلاتهم وعدم الاستجابة للرسول وتعنتهم ؛ ودمغهم بالتعنت مع نبيهم وقائدهم ومنقذهم ؛ ويسر ارتكابهم للمنكر وجهرهم بالسوء في حق الأنبياء والصالحين . بل قتلهم والتبجح بقتلهم ! وتسقط بذلك وتتهاوى دسائس اليهود في الصف المسلم وكيدهم ومكرهم وحبائلهم . وتعرف الجماعة المسلمة - ما ينبغي أن تعرفه الأمة المسلمة في كل حين - عن طبيعة اليهود وجبلتهم ، ووسائلهم وطرائقهم ؛ ومدى وقوفهم للحق في ذاته سواء جاء من غيرهم أو نبع فيهم . فهم أعداء للحق وأهله ، وللهدى وحملته . في كل أجيالهم وفي كل أزمانهم . مع أصدقائهم ومع أعدائهم . . لأن جبلتهم عدوة للحق في ذاته ؛ جاسية قلوبهم ، غليظة أكبادهم لا يحنون رؤوسهم إلا للمطرقة ! ولا يسلمون للحق إلا وسيف القوة مصلت على رقابهم . .

وما كان هذا التعريف بهذا الصنف من الخلق ، ليقصر على الجماعة المسلمة الأولى في المدينة . فالقرآن هو كتاب هذه الأمة ما عاشت ، فإذا استفتته عن أعدائها أفتاها ، وإذا استنصحته في أمرهم نصح لها ؛ وإذا استرشدت به أرشدها . وقد أفتاها ونصح لها وأرشدها في شأن يهود ، فدانت لها رقابهم . . ثم لما اتخذته مهجورا دانت هي لليهود ، كما رأيناها تتجمع فتغلبها منهم الشر ذمة الصغيرة ، وهي غافلة عن كتابها . . القرآن . . شاردة عن هدية ، ملقية به وراءها ظهريا ! متبعة قول فلان وفلان ! ! وستبقى كذلك غارقة في كيد يهود وقهر يهود ، حتى تثوب إلى القرآن . .

( وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً )

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا} (161)

ولما {[23740]}ذكر امتناعهم و{[23741]}منعهم من المحاسن{[23742]} التي لا أطيب منها ولا أشرف ، أتبعه إقدامهم على قبائح دنية{[23743]} فيها ظلمهم للخلق فقال{[23744]} : { وأخذهم الربا } أي وهو قبيح في نفسه مُزرٍ بصاحبه { وقد } أي الحال أنهم قد { نهوا عنه } فضموا إلى مخالفة الطبع السليم الاجتراء{[23745]} على انتهاك حرمة الله العظيم .

ولما ذكر الربا أتبعه ما{[23746]} هو أعم منه فقال : { وأكلهم أموال الناس بالباطل } أي سواء كانت رباً أو رشوة أو غيرهما{[23747]} ؛ ولما ذكر بعض ما عذبهم به في الدنيا أتبعه جزاءهم في الآخرة ، فقال عاطفاً على قوله " حرمنا " : { وأعتدنا للكافرين } أي الذين{[23748]} صار الكفر لهم صفة راسخة فماتوا عليه ؛ ولما علم أن منهم من يؤمن فيدخل الجنة فقال : { منهم } ولما كان الجزاء من جنس العمل قال : { عذاباً أليماً * } أي بسبب ما آلموا الناس بأكل أموالهم وتغطيتهم{[23749]} على حقوقهم من الفضائل والفواضل .

ذكرُ تحريم المال بالربا وغيره من أنواع الباطل بنص التوراة ، قال في السفر الثاني بعد ما قدمتهُ في البقرة من الأمر بالإحسان إلى الناس والنهي عن أذاهم : وإن أسلفت ورقك للمسكين الذي معك من شعبي فلا تكونن له كالغريم ولا تأخذن{[23750]} منه رباً{[23751]} ؛ وقال في الثالث : وإن افتقر أخوك واستعان بك فلا تتركه بمنزلة الغريب الساكن معك ، بل وسع عليه ، وإياك أن تأخذ منه رباً أو عينة ، لا تقرضه بالعينة ؛ وقال في الخامس : ولا تطعموا بيت الله ربكم أجر زانية{[23752]} ولا ثمن{[23753]} كلب ، ولا تأخذوا{[23754]} من إخوتكم رباً في فضة ولا في طعام ولا في شيء{[23755]} مما تعانونه{[23756]} ، وأما الغريب فخذوا منه إن أحببتم ؛ فقد ثبت من توراتهم{[23757]} النهيُ عن الربا ، وأما تخصيصه بالغريب فتبديل منهم بلا ريب ، بدليل ما قدمته عنها في البقرة عند قوله تعالى{[23758]} :{ إن الذين آمنوا والذين هادوا }[ البقرة : 62 ] من النهي عن غدر العدو ، وعند قوله تعالى{[23759]} :{ لا تعبدون{[23760]} إلا الله }[ البقرة : 83 ] من الإحسان إلى عامة الناس لا سيما الغريب - والله الموفق .


[23740]:في ظ: ذكروا ـ كذا.
[23741]:في ظ: ذكروا ـ كذا.
[23742]:العبارة من "ومنعهم" إلى هنا متكررة في الأصل.
[23743]:في ظ: دينهم.
[23744]:زيد من ظ.
[23745]:من ظ، وفي الأصل: الأخيرا ـ كذا.
[23746]:من ظ، وفي الأصل: بما.
[23747]:من ظ، وفي الأصل: غيرها.
[23748]:من ظ وفي الأصل: الذي.
[23749]:من ظ ، وفي الأصل: بعطيتهم.
[23750]:في ظ: لا يأخذن.
[23751]:سقط من ظ.
[23752]:من نص التوراة، وفي الأصل: زانيه، وفي ظ: أخرانيه ـ كذا.
[23753]:في ظ: يمره ـ كذا.
[23754]:من ظ، وفي الأصل: لا تأخذ.
[23755]:زيد من ظ.
[23756]:في ظ: تعاملوا به ـ كذا.
[23757]:زيد بعده في الأصل: إن، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[23758]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[23759]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[23760]:من ظ والقرآن الكريم آية 83، وفي الأصل: لا تعبدوا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا} (161)

ومن الظلم ( أخذهم الربا وقد نهوا عنه ) والربا من أشد الكبائر نكرا . وهو محرم في جميع الكتب السماوية ومنها التوراة . وإذا لم يكن لهذا التحريم أثر واضح في هذه الكتب فلا جرم أن يكون ذلك سببه التحريف أو التغيير والتبديل الذي أحدثه أهل الكتاب فيما نزل عليهم من كتب .

ومن المعلوم أن جريمة الربا أكثر ما تكون لصوقا باليهود فهم قد مردوا على هذا السحت في غابر الزمن حتى يومنا هذا ، وهم في ذلك يبتدعون مختلف الأساليب في التحيل للحصول على المال عن طريق الربا ، يحفزهم إلى ذلك رغبتهم اللحاحة في الإكثار من المال والاستزادة منه في جشع ينافي القناعة ولا يرضى بالحلال .

ومن الظلم كذلك أكلهم أموال الناس بالباطل . وذلك ظلم ؛ لكونه كسبا غير مشروع أو هو وضع للمال من استغلال واحتكار وتلاعب بأسعار ، وكذلك الرشا والميسر وأجور الفسق والفاحشة في الملاهي وبيوت الدنس والخنا حيث الزواني والزناة ، وغير ذلك من وجوه الكسب الحرام الذي يبتز من خلالها اليهود أموال الناس بالباطل .

من أجل هذه المحظورات التي ارتكبها اليهود بظلم فقد عاقبهم الله بالحرمان من طيبات كانت لهم حلالا ، مع أن الطعام كان جله حلالا : لهم . وفي ذلك يقول سبحانه : ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ) ولئن كان هذا العقاب مفروضا عليهم في الدنيا فإن عذاب الآخرة أشد وأنكى وأبقى . وفي ذلك يقول عز من قائل : ( واعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ) أي هيأنا للكافرين من بني إسرائيل عذابا مقيما يتسم بالإيلام والديمومة .