( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ، فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون . فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ، ولكن قست قلوبهم ، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون . فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين )
إنها المواجهة بنموذج من بأس الله سبحانه . نموذج من الواقع التاريخي . نموذج يعرض ويفسر كيف يتعرض الناس لبأس الله ، وكيف تكون عاقبة تعرضهم له ، وكيف يمنحهم الله الفرصة بعد الفرصة ، ويسوق إليهم التنبيه بعد التنبيه ؛ فإذا نسوا ما ذكروا به ، ولم توجههم الشدة إلى التوجه إلى الله والتضرع له ، ولم توجههم النعمة إلى الشكر والحذر من الفتنة ، كانت فطرتهم قد فسدت الفساد الذي لا يرجى معه صلاح ، وكانت حياتهم قد فسدت الفساد الذي لا تصلح معه للبقاء . فحقت عليهم كلمة الله . ونزل بساحتهم الدمار الذي لا تنجو منه ديار . .
( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ، فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون . فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم ، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ) . .
ولقد عرف الواقع البشري كثيرا من هذه الأمم ، التي قص القرآن الكريم على الإنسانية خبر الكثير منها ، قبل أن يولد " التاريخ " الذي صنعه الإنسان ! فالتاريخ الذي سجله بنو الإنسان حديث المولد ، صغير السن ، لا يكاد يعي إلا القليل من التاريخ الحقيقي للبشر على ظهر هذه الأرض ! وهذا التاريخ الذي صنعه البشر حافل - على قصره - بالأكاذيب والأغاليط ؛ وبالعجز والقصور عن الإحاطة بجميع العوامل المنشئة والمحركة للتاريخ البشري ؛ والتي يكمن بعضها في أغوار النفس ، ويتوارى بعضها وراء ستر الغيب ، ولا يبدو منها إلا بعضها ، وهذا البعض يخطى ء البشر في جمعه ، ويخطئون في تفسيره ، ويخطئون أيضا في تمييز صحيحه من زائفة - إلا قليلا - ودعوى أي بشر أنه أحاط بالتاريخ البشري علما ، وأنه يملك تفسيره تفسيرا " علميًا " وأنه يجزم بحتمياته المقبلة أيضا . . هي أكبر أكذوبة يمكن أن يدعيها بشر ! ومن عجب أن بعضهم يدعيها ! والأشد إثارة للعجب أن بعضهم يصدقها ! ولو قال ذلك المدعي : إنه يتحدث عن [ توقعات ] لا عن [ حتميات ] لكان ذلك مستساغا . . ولكن إذا وجد المفتري من المغفلين من يصدقه فلماذا لا يفتري ؟ !
والله يقول الحق ؛ ويعلم ماذا كان ، ولماذا كان . ويقص على عبيده - رحمة منه وفضلا - جانبا من أسرار سنته وقدره ؛ ليأخذوا حذرهم ويتعظوا ؛ وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخي من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة ؛ يفسرون بها هذا الواقع التاريخي تفسيرا كاملا صحيحا . ومن وراء هذه المعرفة يمكن أن يتوقعوا ما سيكون ، استنادا إلى سنة الله التي لا تتبدل . . هذه السنة التي يكشف الله لهم عنها . .
وفي هذه الآيات تصوير وعرض لنموذج متكرر في أمم شتى . . أمم جاءتهم رسلهم . فكذبوا . فأخذهم الله بالبأساء والضراء . في أموالهم وفي أنفسهم . في أحوالهم وأوضاعهم . . البأساء والضراء التي لا تبلغ أن تكون " عذاب الله " الذي تحدثت عنه الآية السابقة ، وهو عذاب التدمير والاستئصال . .
وقد ذكر القرآن نموذجا محددا من هذه الأمم ، ومن البأساء والضراء التي أخذها بها . . في قصة فرعون وملئه : ( ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون . فإذا جاءتهم الحسنة قالوا : لنا هذه ، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه . ألا إنما طائرهم عند الله ، ولكن أكثرهم لا يعلمون . وقالوا : مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين . فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، آيات مفصلات ، فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ) . .
ولما أقام لهم بهذه الآية على توحيده الدليل حتى استنارت{[29589]} السبل{[29590]} في تذكيرهم أن التضرع قد يكشف به البلاء ، أخبرهم أن تركه{[29591]} يوجب الشقاء ، ترغيباً في إدامته وترهيباً من{[29592]} مجانبته فقال : { ولقد أرسلنا } أي بما لنا من العظمة { إلى أمم } أي أناس يؤم بعضهم بعضاً ، وهم أهل لأن يقصدهم الناس ، لما لهم من الكثرة والعظمة .
ولما كان المراد بعض الأمم ، وهم الذين أراد الله إشهادهم{[29593]} وقص{[29594]} أخبارهم ، أدخل الجار فقال : { من قبلك } أي رسلاً فخالفوهم ، وحسّن هذا الحذف{[29595]} كونه مفهوماً { فأخذناهم } أي فكان إرسالنا{[29596]} إليهم سبباً لأن أخذناهم بعظمتنا ، ليرجعوا عما زين لهم الشيطان إلى ما تدعوهم{[29597]} إليه الرسل { بالبأساء } من تسليط القتل عليهم { والضراء } بتسليط الفقر والأوجاع { لعلهم يتضرعون * } أي ليكون حالهم حال من يرجى خضوعه وتذلله على وجه بليغ{[29598]} ، بما يرشد إليه{[29599]} - مع صيغة التفعل{[29600]} - الإظهار ، ولأن مقصودها الاستدلال على التوحيد ، وعند الكشف للأصول ينبغي الإبلاغ في العبادة ، بخلاف ما يأتي في الأعراف{[29601]} .
قوله تعالى : { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذنهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ( 42 ) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطن ما كانوا يعملون ( 43 ) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبوب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذنهم بغتة فإذا هم مبلسون ( 44 ) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العلمين } .
في الآية الأولى تسلية من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم . والمعنى أن الله أرسل رسله إلى أمم من قبلك يا محمد فكذبوا وأعرضوا فأخذهم الله { بالبأساء } أي شدة الفقر والقحط والجوع { والضراء } أي الأقسام والأمراض . وقيل : البأساء ، البؤس والمصائب تأتي على الأموال . والضراء ، المصائب والمحن تصيب الأبدان . وذلك على سبيل التعذيب والانتقام في هذه الدنيا . فإن الله ينتقم من المجرمين الظالمين الناكبين عن منهج الله بضروب من المحن في هذه الدنيا قبل الممات وذلك في مقابلة عتوهم وإعراضهم عن دين الله .
قوله : { لعلهم يتضرعون } من الضراعة والتضرع وهو الابتهال والتذلل أي فعلنا بهم ذلك لكي ينزجروا عن التوجه للأنداد فيخلصوا العبادة لله ويتذللوا إليه بالطاعة والاستكانة والابتهال .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.