ويجهر يوسف بالحقيقة في وجه الاتهام الباطل :
( قال : هي راودتني عن نفسي ) !
وهنا يذكر السياق أن أحدا أهلها حسم بشهادته في هذا النزاع :
( وشهد شاهد من أهلها . إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ؛ وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ) . .
فأين ومتى أدلى هذا الشاهد بشهادته هذه ؟ هل كان مع زوجها [ سيدها بتعبير أهل مصر ] وشهد الواقعة ؟ أم أن زوجها استدعاه وعرض عليه الأمر ، كما يقع في مثل هذه الأحوال ان يستدعي الرجل كبيرا من أسرة المرأة ويطلعه على ما رأى ، وبخاصة تلك الطبقة الباردة الدم المائعة القيم !
هذا وذلك جائز . وهو لا يغير من الأمر شيئا . وقد سمي قوله هذا شهادة ، لأنه لما سئل رأيه في الموقف والنزاع المعروض من الجانبين - ولكل منها ومن يوسف قول - سميت فتواه هذه شهادة ، لأنها تساعد على تحقيق النزاع والوصول إلى الحق فيه .
فإن كان قميصه قد من قبل فذلك إذن من أثر مدافعتها له وهو يريد الاعتداء عليها فهي صادقة وهو كاذب .
فكأنه قيل : فماذا{[41140]} قال حين قذفته بهذا ؟ فقيل { قال } دافعاً عن نفسه لا هاتكاً لها { هي } بضمير الغيبة لاستيحائه عن مواجهتها بإشارة أو ضمير خطاب { راودتني عن نفسي } وما قال ذلك إلا حين اضطرته إليه بنسبته إلى الخيانة ، وصدقه لعمري فيما قال لا يحتاج إلى بيان أكثر من الحال الذي كانا فيه ، وهو أنهما عند الباب ، ولو كان الطلب{[41141]} منه لما كانا إلا في محلها الذي تجلس فيه ، وهو صدر البيت وأشرف موضع فيه { وشهد } ولما كان كل صالح للشهادة كافياً ، فلم تدع ضرورة إلى تعيينه ، قال : { شاهد } أي عظيم { من أهلها } لأن الأهل أعظم في الشهادة ، رضيع ببراءته - نقله الرماني عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما وسعيد ابن جبير{[41142]} ، كما شهد للنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع صبي من أهل اليمامة{[41143]} يوم ولد بأنه رسول الله ، فكان يدعى{[41144]} : مبارك اليمامة{[41145]} .
فقال ذلك الشاهد { إن كان } أي حال المراوغة { قميصه } أي فيما يتبين{[41146]} لكم { قدَّ } أي شق شقاً مستأصلاً { من{[41147]} قبل } أي من جهة ما أقبل من جسده { فصدقت{[41148]} } ولا بد من تقدير فعل التبين{[41149]} ، لأن الشروط لا تكون{[41150]} معانيها إلا مستقبلة ولو{[41151]} كانت ألفاظها ماضية .
ولما كان صدقها ليس قاطعاً في منع صدقه ، قال : { وهو من الكاذبين * } لأنه لولا إقباله - وهي تدفعه عنها أو تهرب منه وهو يتبعها ويعثر في قميصه - ما كان القد من القبل{[41152]}
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.