في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (60)

59

فكيف كان استقبال المنحرفين الضالين من قوم نوح لهذه الدعوة الخالصة الواضحة المستقيمة ؟

( قال الملأ من قومه : إنا لنراك في ضلال مبين ) !

كما قال مشركو العرب لمحمد [ ص ] إنه صبأ ، ورجع عن دين إبراهيم !

وهكذا يبلغ الضال من الضلال أن يحسب من يدعوه إلى الهدى هو الضال ! بل هكذا يبلغ التبجح الوقحبعدما يبلغ المسخ في الفطر ! . . هكذا تنقلب الموازين ، وتبطل الضوابط ، ويحكم الهوى ؛ ما دام أن الميزان ليس هو ميزان الله الذي لا ينحرف ولا يميل .

وماذا تقول الجاهلية اليوم عن المهتدين بهدى الله ؟ إنها تسميهم الضالين ، وتعد من يهتدي منهم ويرجع بالرضى والقبول ! . . أجل من يهتدي إلى المستنقع الكريه ، وإلى الوحل الذي تتمرغ الجاهلية فيه !

وماذا تقول الجاهلية اليوم للفتاة التي لا تكشف عن لحمها ؟ وماذا تقول للفتى الذي يستقذر اللحم الرخيص ؟ إنها تسمي ترفعهما هذا ونظافتهما وتطهرهما " رجعية " وتخلفاً وجموداً وريفية ! وتحاول الجاهلية بكل ما تملكه من وسائل التوجيه والإعلام أن تغرق ترفعهما ونظافتهما وتطهرهما في الوحل الذي تتمرغ فيه في المستنقع الكريه !

وماذا تقول الجاهلية لمن ترتفع اهتماماته عن جنون مباريات الكرة ؛ وجنون الأفلام والسينما والتليفزيون وما إليه ؛ وجنون الرقص والحفلات الفارغة والملاهي ؟ إنها تقول عنه : إنه " جامد " . ومغلق على نفسه ، وتنقصه المرونة والثقافة ! وتحاول أن تجره إلى تفاهة من هذه ينفق فيها حياته . .

إن الجاهلية هي الجاهلية . . فلا تتغير إلا الأشكال والظروف !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (60)

ولما تم ذلك ، وكان الحال مقتضياً - مع ما نصب من الأدلة الواضحة على الوحدانية - لأن يجيبوا بالتصديق ، كان كأنه قيل : فبماذا كان جوابهم ؟ فقال { قال الملأ } أي الأشراف الذين يملأ العيون مرآهم عظمة ، وتتوجه{[32458]} العيون في المحافل إليهم ، ولم يصفهم في هذه السورة بالكفر لأن ذلك أدخل في التسلية ، لأنها أول سورة قص فيها مثل هذا في ترتيب الكتاب ، ولأن من آمن به مطلقاً كانوا في جنب من لم يؤمن في غاية القلة ، فكيف عند تقييدهم بالشرف ! وأكد ذمهم تسلية لهذا النبي الكريم بالتعريف{[32459]} بقربهم منه في النسب بقوله : { من قومه } وقابلوا رقته وأدبه بغلطة مؤكداً{[32460]} ما تضمنته من البهتان لأن حالهم{[32461]} مكذب لهم فقالوا : { إنا لنراك } أي كل واحد منا يعتقد اعتقاداً هو في الثقة به كالرؤية أنك { في ضلال } أي خطأ وذهاب عن الصواب ، هو ظرف لك محيط بك { مبين* } أي ظاهر في نفسه حتى كأنه يظهر ذلك لغيره .


[32458]:- من ظ، وفي الأصل: توجه.
[32459]:-من ظ، وفي الأصل: بالتغريب.
[32460]:- في الأصل وظ: موكد.
[32461]:- من ظ، وفي الأصل: حالة.