في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ} (83)

57

فماذا أنتم فاعلون إذ تبلغ الحلقوم ، وتقفون في مفرق الطريق المجهول ?

ثم يصور الموقف التصوير القرآني الموحي ، الذي يرسم ظلال الموقف كلها في لمسات سريعة ناطقة بكل ما فيه ، وبكل ما وراءه ، وبكل ما يوحيه .

( فلولا إذا بلغت الحلقوم . وأنتم حينئذ تنظرون . ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) . .

لنكاد نسمع صوت الحشرجة ، ونبصر تقبض الملامح ، ونحس الكرب والضيق من خلال قوله : ( فلولا إذا بلغت الحلقوم ) . .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ} (83)

{ فلولا إذا بلغت الحلقوم . . . } توبيخ لهم على تكذيبهم الآيات الدالة على أنهم تحت سلطانه وقهره سبحانه ، من حيث ذواتهم وطعامهم وشرابهم وسائر أسباب معايشهم . أي إن كنتم أيها الجاحدون لآياتنا ، المكذبون لرسولنا ، المنكرون لقدرتنا على سائر شئونكم – غير مربوبين لنا ، ولا مقهورين بسلطاننا ، وكنتم صادقين في اعتقادكم ذلك ؛ فهلا تردون إلى المحتضر روحه إذا بلغت حلقومه ، وشارفت الخروج من جسده ! ؟ وأنتم تشاهدون ما يقاسيه من هول الفزع وسكرات الموت ! وتحرصون كل الحرص على إنجائه منه ؟ ونحن أقرب منكم بعلمنا وقدرتنا ، حيث لا تعرفون كنه حالته ، ولا تفقهون أسبابها الحقيقية ، ولا تقدرون على دفعها . ونحن العالمون بها ، المسيطرون عليها ، النازعون لروحه من هيكلها الجسماني . ولكنكم لا تدركون ذلك لفرط جهالتكم بربكم ؟ وحاصل المعنى : أنكم إن كنتم غير مربوبين كما تقتضيه أقوالكم وأعمالكم ، فمالكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغت الحلقوم ! وتردونها كما كانت بقدرتكم وسلطانكم ! و " لولا " حرف تحضيض بمعنى هلا . و " لولا " الثانية تأكيد لها و " إذا " ظرف لقوله : " ترجعونها " أي تردونها ، وهو جواب الشرطين : " إن كنتم غير مدينين – إن كنتم صادقين " . " غير مدينين " أي غير مربوبين لنا ؛ من دان السلطان الرعية : إذا سامهم وتعبدهم . وجملة " وأنتم تنظرون " حال من فاعل

" بلغت " . وجملة " ونحن أقرب إليه " مستأنفة لتأكيد توبيخهم على صدور ما يدل على سوء اعتقادهم في ربهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ} (83)

وقوله تعالى : { تُكَذّبُونَ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم } الخ تبكيت كما سمعت وذلك باعتبار تكذيبهم بما نطق به قوله تعالى : { نَحْنُ خلقناكم } [ الواقعة : 57 ] الخ أعني الآيات الدالة على كونهم تحت ملكوته تعالى من حيث ذواتهم ومن حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معايشهم ولولا للتحضيض بإظهار عجزهم ، و { إِذَا } ظرفية ، و { الحلقوم } مجرى الطعام ؛ وضمير { بَلَغَتِ } للنفس لانفهامها من الكلام وإن لم يجر لها ذكر قبل ، والمراد بها الروح بمعنى البخار المنبعث عن القلب دون النفس الناطقة فإنها لا توصف بما ذكر وكأنه مبني على القول بتجرد النفس الناطقة وهي المسماة بالروح الأمرية ، وأنها لا داخل البدن ولا خارجه ولا تتصف بصفات الأجسام كالصعود والنزول وغيرهما على ما اختاره حجة الإسلام الغزالي وجماعة من المحققين ، ومذهب السلف أن النفس الناطقة وهي الروح المشار إليها بقوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى } [ الإسراء : 85 ] جسم لطيف جداً سار في البدن سريان ماء الورد في الورد وهو حي بنفسه يتصف بالخروج والدخول وغيرهما من صفات الأجسام ، وقد رد العلامة ابن القيم قول الغزالي ومن وافقه بأدلة كثيرة ذكرها في كتابه الروح ، ووصفها ببلوغ الحلقوم عليه ظاهر .

وأما على القول بالتجرد وعدم التحيز فقيل : المراد به ضعف التعلق بالبدن وقرب انقطاعه عنه فكأنه قيل : فلولا إذا حان انقطاع تعلق الروح بالبدن .