( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ، وأن الكافرين لا مولى لهم ) . .
ومن كان الله مولاه وناصره فحسبه ، وفيه الكفاية والغناء ؛ وكل ما قد يصيبه إنما هو ابتلاء وراءه الخير ، لا تخليا من الله عن ولايته له ، ولا تخلفا لوعد الله بنصر من يتولاهم من عباده . ومن لم يكن الله مولاه فلا مولى له ، ولو اتخذ الإنس والجن كلهم أولياء . فهو في النهاية مضيع عاجز ؛ ولو تجمعت له كل أسباب الحماية وكل أسباب القوة التي يعرفها الناس !
{ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا } فتولاهم برحمته ، فأخرجهم من الظلمات إلى النور ، وتولى جزاءهم ونصرهم ، { وَأَنَّ الْكَافِرِينَ } بالله تعالى ، حيث قطعوا عنهم ولاية الله ، وسدوا على أنفسهم رحمته { لَا مَوْلَى لَهُمْ } يهديهم إلى سبل السلام ، ولا ينجيهم من عذاب الله وعقابه ، بل أولياؤهم الطاغوت ، يخرجونهم من النور إلى الظلمات ، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .
قوله تعالى : " ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا " أي وليهم وناصرهم . وفي حرف ابن مسعود " ذلك بأن الله ولي الذين آمنوا " . فالمولى : الناصر ها هنا ، قاله ابن عباس وغيره . قال :
فَغَدَتْ كِلاَ الفَرْجَيْنِ تحسِبُ أنه *** مَوْلَى المخافة خلفُها وأمامُها{[13920]}
قال قتادة : نزلت يوم أحد والنبي صلى الله عليه وسلم في الشعب ، إذ صاح المشركون : يوم بيوم ، لنا العزى ولا عزى لكم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ قولوا الله مولانا ولا مولى لكم ] وقد تقدم{[13921]} . " وأن الكافرين لا مولى لهم " أي لا ينصرهم أحد من الله .
{ مولى الذين آمنوا } أي : وليهم وناصرهم وكذلك وأن الكافرين لا مولى لهم معناه لا ناصر لهم ، ولا يصح أن يكون المولى هنا بمعنى : السيد لأن الله مولى المؤمنين والكافرين بهذا المعنى ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله : { وردوا إلى الله مولاهم الحق } [ يونس : 30 ] لأن معنى المولى مختلف في الموضعين فمعنى مولاهم الحق ربهم وهذا على العموم في جميع الخلق بخلاف قوله : { مولى الذين آمنوا } فإنه خاص بالمؤمنين لأنه بمعنى الولي والناصر .
ولما بين أن يعلي أولياءه ويذل أعداءه ، بين علته{[59449]} فقال : { ذلك } أي الأمر العظيم الذي فعله بالفريقين { بأن الله } أي بسبب أن الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال { مولى الذين آمنوا } أي القريب من المصدقين به المرضين له ، فهو{[59450]} يفعل معهم بما له من الجلال والجمال ما يفعل القريب بقريبه الحبيب له ، قال القشيري : ويصح أن يقال : أرجى آية في كتاب الله هذه الآية لأنه لم يقل : الزهاد والعباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد . يعني بل ذكر أدنى أسنان أهل الإيمان . { وأن الكافرين } أي العريقين في هذا الوصف { لا مولى لهم * } بهذا المعنى ، لأنهم {[59451]}بعيدون من{[59452]} الله {[59453]}الذي لا يعبد على الحقيقة إلا هو{[59454]} ، فلا ينفعهم قرب قريب أصلاً-{[59455]} وإن كان-{[59456]} الله مولاهم بغير هذا المعنى بل بمعنى أنه سيدهم ومالكهم ، وفيه إيماء إلى أنه سبحانه وتعالى ولي من لم يكن عريقاً في الكفر فيخرجه من الظلمات إلى النور{[59457]} .