( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) . .
وفي القرآن شفاء ، وفي القرآن رحمة ، لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان ، فأشرقت وتفتحت لتلقي ما في القرآن من روح ، وطمأنينة وأمان .
في القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة . فهو يصل القلب بالله ، فيسكن ويطمئن ويستشعر الحماية والأمن ؛ ويرضى فيستروح الرضى من الله والرضى عن الحياة ؛ والقلق مرض ، والحيرة نصب ، والوسوسة داء . ومن ثم هو رحمة للمؤمنين .
وفي القرآن شفاء من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزعات الشيطان . . وهي من آفات القلب تصيبه بالمرض والضعف والتعب ، وتدفع به إلى التحطم والبلى والانهيار . ومن ثم هو رحمة للمؤمنين .
وفي القرآن شفاء من الاتجاهات المختلة في الشعور والتفكير . فهو يعصم العقل من الشطط ، ويطلق له الحرية في مجالاته المثمرة ، ويكفه عن إنفاق طاقته فيما لا يجدي ، ويأخذه بمنهج سليم مضبوط ، يجعل نشاطه منتجا ومأمونا . ويعصمه من الشطط والزلل . وكذلك هو في عالم الجسد ينفق طاقاته في اعتدال بلا كبت ولا شطط فيحفظه سليما معافى ويدخر طاقاته للإنتاج المثمر . ومن ثم هو رحمة للمؤمنين .
وفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية التي تخلخل بناء الجماعات ، وتذهب بسلامتها وأمنها وطمأنينتها . فتعيش الجماعة في ظل نظامه الاجتماعي وعدالته الشاملة في سلامة وأمن وطمأنينة . ومن ثم هو رحمة للمؤمنين .
( ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) . .
فهم لا ينتفعون بما فيه من شفاء ورحمة . وهم في غيظ وقهر من استعلاء المؤمنين به ، وهم في عنادهم وكبريائهم يشتطون في الظلم والفساد ، وهم في الدنيا مغلوبون من أهل هذا القرآن ، فهم خاسرون . وفي الآخرة معذبون بكفرهم به ولجاجهم في الطغيان ، فهم خاسرون : ( ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) . .
{ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً ( 82 ) }
وننزل من آيات القرآن العظيم ما يشفي القلوب مِنَ الأمراض ، كالشك والنفاق والجهالة ، وما يشفي الأبدان برُقْيتها به ، وما يكون سببًا للفوز برحمة الله بما فيه من الإيمان ، ولا يزيد هذا القرآن الكفار عند سماعه إلا كفرًا وضلالا ؛ لتكذيبهم به وعدم إيمانهم .
قال الفخر الرازى - رحمه الله - : اعلم أنه - تعالى - لما أطنب فى شرح الإِلهيات والنبوات ، والحشر والمعاد والبعث ، وإثبات القضاء والقدر ، ثم أتبعه بالأمر بالصلاة ، ونبه على ما فيها من الأسرار ، وإنما ذكر كل ذلك فى القرآن ، أتبعه ببيان كون القرآن شفاء ورحمة . فقال - تعالى - : { وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ . . } .
ثم قال : ولفظة { من } ههنا ليست للتبعيض ، بل هى للجنس كقوله : { فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان } والمعنى : وننزل من هذا الجنس الذى هو قرآن ما هو شفاء ، فجميع القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين .
ومما لا شك فيه ، أن قراءة القرآن ، والعمل بأحكامه وآدابه وتوجيهاته . . شفاء للنفوس من الوسوسة ، والقلق ، والحيرة ، والنفاق ، والرذائل المختلفة ، ورحمة للمؤمنين من العذاب الذى يحزنهم ويشقيهم .
إنه شفاء ورحمة لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإِيمان ، فأشرقت بنور ربها ، وتفتحت لتلقى ما فى القرآن من هدايات وإرشادات .
إنه شفاء للنفوس من الأمراض القلبية كالحسد والطمع والانحراف عن طريق الحق ، وشفاء لها من الأمراض الجسمانية .
قال القرطبى عند تفسيره لهذه الآية : اختلف العلماء فى كونه - أى القرآن - شفاء على قولين :
أحدهما : أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب ، ولكشف غطاء القلب من مرض الجهل .
الثانى : أنه شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقى والتعوذ ونحوه ، وقد روى الأئمة - واللفظ للدار قطنى - عن أبى سعيد الخُدرى قال : " بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سرية ثلاثين راكبًا . قال : فنزلنا على قوم من العرب فسألناهم أن يضيفونا فأبوا . قال : فلدغ سيد الحى ، فأتونا فقالوا : أفيكم أحد يَرْقى من العقرب ؟ قال : قلت : أنا نعم ، ولكن لا أفعل حتى تعطونا فقالوا : فإنا نعطيكم ثلاثين شاة . قال : فقرأت عليه { الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين } سبع مرات فبرئ . فبعثوا إلينا بالنُّزل وبعثوا إلينا بالشاء . فأكلنا الطعام أنا وأصحابى ، وأبوا أن يأكلوا من الغنم ، حتى أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر ، فقال " ما يدريك أنها رقية " ؟ قلت : يا رسول الله ، شئ ألقى فى روعى . قال : " كلوا وأطعمونا من الغنم " " .
والذى تطمئن إليه النفس أن قراءة القرآن الكريم ، والعمل بما فيه من هدايات وإرشادات وتشريعات . . كل ذلك يؤدى - بإذن الله تعالى - إلى الشفاء من أمراض القلوب ومن أمراض الأجسام .
قال بعض العلماء : " وقوله - تعالى - فى هذه الآية { مَا هُوَ شِفَآءٌ } يشمل كونه شفاء للقلب من أمراضه ، كالشك والنفاق وغير ذلك . وكونه شفاء للأجسام إذا رقى عليه به ، كما تدل له قصة الذى رقى الرجل اللديغ بالفاتحة ، وهى صحيحة مشهورة " .
وبعد أن بين - سبحانه - أثر القرآن بالنسبة للمؤمنين ، أتبع ذلك ببيان أثره بالنسبة للظالمين ، فقال : { وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَاراً } .
أى : ولا يزيد ما ننزله من قرآن الظالمين إلا خسارا وهلاكًا ، بسبب عنادهم وجحودهم للحق بعد إذ تبين .
قال الآلوسى : وإسناد الزيادة المذكورة إلى القرآن . مع أنهم المزدادون فى ذلك لسوء صنيعهم ، باعتباره سببا لذلك ، وفيه تعجيب من أمره من حيث كونه مدارًا للشفاء والشقاء .
كماء صار فى الأصداف درا . . . وفى ثغر الأفاعى صار سما
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : { وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ } وقوله - تعالى - { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ }
قوله تعالى : { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } ( من ) ، ليست للتبعيض بل هي للجنس ؛ أي وننزل من هذا الجنس الذي هو قرآن ما هو شفاء ؛ فجميع القرآن شفاء للمؤمنين .
والقرآن شفاء للبشرية بما حواه من المعاني والأحكام والتصورات والعبر ؛ فكل ذلك مزيل للشبهات والشكوك والعلل التي تنتاب العقول فتشينها شينا وتسكب فيها ألوانا من ضلالات الفكر الباطل ، والمعارف الكاذبة المفتراة التي تعلن الحرب على منهج الله في اجتراء لئيم ووقح ، فلا يروق لها بذلك إلا أن تكيد لدين الله كيدا .
إن القرآن شفاء لهذه العقول من كل ضلالات ومفاسدها وانحرافاتها ، والقرآن شفاء للبشرية من كل الأدران والأوضار التي تأتي على النفس فتسومها المرض والعطب وكل ألوان الزيغ والشذوذ ، وتلكم أمراض بغيضة وممضة ومختلفة تصيب النفس البشرية فتثير فيها ألوانا شتى من الأسقام كالقلق والكمد والاغتمام والهلع والإحساس المستديم بالضيق والكآبة . إلى غير ذلك من صور الأمراض النفسية التي تكابدها البشرية في كل العصور .
لكن القرآن بعقيدته الراسخة السمحة ، ومعانيه الكريمة الشفيفة وتشريعه الشامل المتكامل ، يبدد كل ألوان المرض بكل صوره وأشكاله ، سواء في ذلك ما أصاب الذهن أو الجهاز النفسي والروحي للإنسان . إن القرآن بمعانيه المعجزة الفذة شفاء للإنسان من كل هاتيك الأسقام والعلل التي تقضّ الأفراد والمجتمعات قضّاً والتي تسوم الإنسان الأوجاع والآلام .
وكذلك فإن القرآن رحمة للمؤمنين ؛ لأنهم يتبعون أحكامه فيحلون حلاله ويحرمون حرامه ، ويهتدون بنوره الساطع المشعشع ، ويستلهمون من عقيدته ومعانيه الإيمان والهداية والتوفيق ، فيتجلى في طبائعهم وسماتهم وسلوكهم كل معالم الخير من حميد الخصال وعظيم الخلال وحسن الأعمال والأفعال . وبذلك تستقيم أحوال الفرد والجماعة فتنعم البشرية بنعيم الأمن والاستقرار والمودة والتعارف . وتترسخ في الدنيا ظواهر العدل والرحمة والتعاون والفضيلة .
قوله : ( ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) لا يزداد الكافرون بسماع القرآن إلا هلاكا فوق هلاكهم ؛ لأنهم كلما سمعوا بشيء منه جديد كذبوا وجحدوا فازدادوا بذلك إيغالا في الخسران ، والتعس والرجس{[2733]} .