ثم يعود السياق إلى الفرع الآخر من ذرية إبراهيم . فيذكر إسماعيل أبا العرب : ( واذكر في الكتاب إسماعيل ، إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا . وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة ، وكان عند ربه مرضيا ) . .
وينوه من صفات إسماعيل بأنه كان صادق الوعد . وصدق الوعد صفة كل نبي وكل صالح ، فلا بد أن هذه الصفة كانت بارزة في إسماعيل بدرجة تستدعي إبرازها والتنويه بها بشكل خاص .
وهو رسول فلا بد أن كانت له دعوة في العرب الأوائل وهو جدهم الكبير . وقد كان في العرب موحدون أفراد قبيل الرسالة المحمدية ، فالأرجح أنهم بقية الموحدين من أتباع إسماعيل .
الأولى- قوله تعالى : " واذكر في الكتاب إسماعيل " اختلف فيه ، فقيل : هو إسماعيل بن حزقيل ، بعثه الله إلى قومه فسلخوا جلدة رأسه ، فخيره الله تعالى فيما شاء من عذابهم ، فاستعفاه ورضي بثوابه ، وفوض أمرهم إليه في عفوه وعقوبته . والجمهور أنه إسماعيل الذبيح أبو العرب بن إبراهيم . وقد قيل : إن الذبيح إسحاق ، والأول أظهر على ما تقدم ويأتي في " الصافات " {[10867]} إن شاء الله تعالى . وخصه الله تعالى بصدق الوعد وإن كان موجودا في غيره من الأنبياء تشريفا له إكراما ، كالتقليب بنحو الحليم والأواه والصديق ، ولأنه المشهور المتواصف{[10868]} من خصاله .
الثانية-صدق الوعد محمود وهو من خلق النبيين والمرسلين ، وضده وهو الخلف مذموم ، وذلك من أخلاق الفاسقين والمنافقين ما تقدم بيانه في " براءة " {[10869]} . وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل فوصفه بصدق الوعد . واختلف في ذلك ، فقيل : إنه وعد من نفسه بالصبر على الذبح فصبر حتى فدى . هذا في قول من يرى أنه الذبيح . وقيل : وعد رجلا أن يلقاه في موضع فجاء إسماعيل وانتظر الرجل يومه وليلته ، فلما كان في اليوم الآخر جاء ، فقال له : ما زلت ها هنا في انتظارك منذ أمس . وقيل : انتظره ثلاثة أيام . وقيل فعل مثله نبينا صلى الله عليه وسلم قبل بعثه ، ذكره النقاش وخرجه الترمذي وغيره عن عبدالله بن أبى الحَمْساء قال : بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ، ثم ذكرت بعد ثلاثة أيام ، فجئت فإذا هو في مكانه ، فقال : ( يا فتى لقد شققت علي أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك ) لفظ أبي داود . وقال يزيد الرقاشي : انتظره إسماعيل اثنين وعشرين يوما ، ذكره الماوردي . وفي كتاب ابن سلام أنه انتظره سنة . وذكره الزمخشري عن ابن عباس : أنه وعد صاحبا له أن ينتظره في مكان فانتظره سنة . وذكره القشيري قال : فلم يبرح من مكانه سنة حتى أتاه جبريل عليه السلام فقال : إن التاجر الذي سألك أن تقعد له حتى يعود هو إبليس فلا تقعد ولا كرامة له . وهذا بعيد ولا يصح . وقد قيل : إن إسماعيل لم يعد شيئا إلا وفى به ، وهذا قول صحيح ، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية ، والله أعلم .
الثالثة-من هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم ( العدة دين ) . وفي الأثر ( وَأْيُ{[10870]} المؤمن واجب ) أي في أخلاق المؤمنين . وإنما قلنا أن ذلك ليس بواجب فرضا لإجماع العلماء على ما حكاه أبو عمر أن من وعد بمال ما كان ليضرب به مع الغرماء ، فلذلك قلنا إيجاب الوفاء به حسن مع المروءة ، ولا يقضى به والعرب تمتدح بالوفاء ، وتذم بالخلف والغدر ، وكذلك سائر الأمم ، ولقد أحسن القائل :
متى ما يقلْ حُرٌّ لصاحب حاجةٍ *** نعم يَقْضِهَا والحرُّ للوأيِ ضامنُ
ولا خلاف أن الوفاء يستحق صاحبه الحمد والشكر ، وعلى الخلف الذم . وقد أثنى الله تبارك وتعالى على من صدق وعده ، ووفى بنذره ، وكفى بهذا مدحا وثناء ، وبما خالفه ذما . قال مالك : إذا سأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة فيقول له نعم ، ثم يبدو له ألا يفعل فما أرى يلزمه .
الرابعة-قال مالك : ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه فقال نعم ، وثم رجال يشهدون عليه فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان . وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي وسائر الفقهاء : إن العدة لا يلزم منها{[10871]} شيء ؛ لأنها منافع لم يقبضها في العارية لأنها طارئة ، وفي غير العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض فلصاحبها الرجوع فيها . وفي البخاري " واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد " ، وقضى ابن أشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة بن جندب . قال البخاري{[10872]} : ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع .
قيل : أرسل إسماعيل إلى جرهم . وكل الأنبياء كانوا إذا وعدوا صدقوا ، وخص إسماعيل بالذكر تشريفا له . والله أعلم .
ولما كان إسماعيل عليه الصلاة والسلام هو الذي ساعد أباه إبراهيم عليه السلام في بناء البيت الذي كان من الأفعال التي أبقى الله بها ذكره ، وشهر أمره وكان موافقاً لموسى عليه السلام في ظهور آية الماء الذي به حياة كل شيء وإن كانت آية موسى عليه السلام انقضت بانقضائه ، وآيته هو باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وهي التي كانت سبب حياته وماؤها{[48361]} ببركته أفضل مياه الأرض ، وجعل سبحانه آية الماء التي أظهرها له سبب حفظه من الجن والإنس والوحش وسائر المفسدين ، إشارة إلى أنه سبحانه يحيي بولده محمد صلى الله عليه وسلم الذي غذاه بذلك الماء ورباه عند ذلك البيت إلى أن اصطفاه برسالته ، فحسدته اليهود وأمرت بالتعنت عليه - ما لم يحي بغيره ، ويجعله قطب الوجود كما خصه - {[48362]}من بين آل إبراهيم عليه السلام{[48363]} - بالبيت الذي هو كذلك قطب الوجود{[48364]} ، ويشفي به من داء الجهل ، ويغني به من مرير الفقر ، كما جعل ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم ، وكان صلى الله عليه وسلم آخر من شيد قدرهم ، وأعظم من أعلى ذكرهم ، عقب ذكره بذلك فقال : { واذكر في الكتاب } أباك الأقرب { إسماعيل } ابن إبراهيم عليهما السلام {[48365]}الذي هم معترفون بنبوته ، ومفتخرون برسالته وأبوته ، فلزم بذلك فساد تعليلهم إنكار نبوتك بأنك من البشر{[48366]} ، ثم علل ذكره والتنويه{[48367]} بقدره بقوله معلماً بصعوبة{[48368]} الوفاء بالتأكيد : { إنه كان } {[48369]}جبلة وطبعاً{[48370]} { صادق الوعد } {[48371]}في حق الله وغيره{[48372]} لمعونة الله له على ذلك ، بسبب أنه لا يعد وعداً إلا مقروناً بالاستثناء كما قال لأبيه حين أخبرهم بأمر ذبحه { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } فكن أبي كذلك{[48373]} ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ، {[48374]}وخصه بالمدح به - وإن كان الأنبياء كلهم كذلك - لقصة الذبح فلا يلزم منه تفضيله{[48375]} { وكان رسولاً نبياً } نبأه الله بأخباره ، وأرسله إلى قومه جرهم{[48376]} قاله الأصبهاني . وأتى أهل البراري بدين أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام فأحياها الله{[48377]} بنور الإيمان الناشىء عن روح العلم ووصفه بالرسالة{[48378]} زيادة على وصف أخيه إسحاق عليهما السلام{[48379]} وتقدم في{[48380]} أمر موسى عليه السلام سر الجمع بين الوصفين ؛ وفي صحيح مسلم {[48381]}وجامع الترمذي{[48382]} - عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه " أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل عليه السلام " وفي رواية الترمذي " أن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل "