والقرآن يصفه بأنه كان صديقا نبيا ويسجل له أن الله رفعه مكانا عليا . فأعلى قدره ورفع ذكره . .
وهناك رأي نذكره لمجرد الاستئناس به ولا نقرره أو ننفيه ، يقول به بعض الباحثين في الآثار المصرية ، وهو أن إدريس تعريب لكلمة " أوزريس " المصرية القديمة . كما أن يحيى تعريب لكلمة يوحنا . وكلمة اليسع تعريب لكلمة إليشع . . وأنه هو الذي صيغت حوله أساطير كثيرة . فهم يعتقدون أنه صعد إلى السماء وصار له فيها عرش عظيم . وكل من وزنت أعماله بعد الموت فوجدت حسناته ترجح سيئاته فإنه يلحق بأوزريس الذي جعلوه إلها لهم . وقد علمهم العلوم والمعارف قبل صعوده إلى السماء .
وعلى أية حال فنحن نكتفي بما جاء عنه في القرآن الكريم ؛ ونرجح أنه سابق على أنبياء بني إسرائيل .
قوله تعالى : " ورفعناه مكانا عليا " قال أنس بن مالك وأبو سعيد الخدري وغيرهما : يعني السماء الرابعة . وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال كعب الأحبار . وقال ابن عباس والضحاك : يعني السماء السادسة ، ذكره المهدوي .
قلت : ووقع في البخاري{[10877]} عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر قال سمعت أنس بن مالك يقول : ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة ، الحديث وفيه : كل سماء فيها أنبياء - قد سماهم - منهم إدريس في الثانية . وهو وهم ، والصحيح أنه في السماء الرابعة ، كذلك رواه ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ذكره مسلم في الصحيح . وروى مالك بن صعصعة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لما عرج بي إلى السماء أتيت على إدريس في السماء الرابعة ) . خرجه مسلم أيضا . وكان سبب رفعه على ما قال ابن عباس وكعب وغيرهما : أنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس ، فقال :( يا رب أنا مشيت يوما فكيف بمن يحملها خمسمائة عام في يوم واحد ! اللهم خفف عنه من ثقلها . يعني الملك الموكل بفلك الشمس ) ، يقول إدريس : اللهم خفف عنه من ثقلها واحمل عنه من حرها . فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس والظل مالا يعرف فقال : يا رب خلقتني لحمل الشمس فما الذي فيه ؟ فقال الله تعالى : " أما إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته " فقال : يا رب اجمع بيني وبينه ، واجعل بيني وبينه خلة . فأذن الله له حتى أتى إدريس ، وكان إدريس عليه السلام يسأله . فقال أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت ، فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي ، فأزداد شكرا وعبادة . فقال الملك : لا يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها فقال للملك : قد علمت ذلك ولكنه أطيب لنفسي . قال نعم . ثم حمله{[10878]} على جناحه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس ، ثم قال لملك الموت : لي صديق من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله . فقال : ليس ذلك إلي ولكن إن أحببت علمه أعلمته متى يموت . قال " : " نعم " ثم نظر في ديوانه ، فقال : إنك تسألني عن إنسان ما أراه يموت أبدا . قال " وكيف " ؟ قال : لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس . قال : فإني أتيتك وتركته هناك ؛ قال : انطلق فما أراك تجده إلا وقد مات فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء . فرجع الملك فوجده ميتا . وقال السدي : إنه نام ذات يوم ، واشتد عليه حر الشمس ، فقام وهو منها في كرب ، فقال : اللهم خفف عن ملك الشمس حرها ، وأعنه على ثقلها ، فإنه يمارس نارا حامية . فأصبح ملك الشمس وقد نصب له كرسي من نور عنده سبعون ألف ملك عن يمينه ، ومثلها عن يساره يخدمونه ، ويتولون أمره وعمله من تحت حكمه ، فقال ملك الشمس : يا رب من أين لي هذا ؟ . قال " دعا لك رجل من بني آدم يقال له إدريس " ثم ذكر نحو حديث كعب قال فقال له ملك الشمس : أتريد حاجة ؟ قال : نعم وددت أني لو رأيت الجنة . قال : فرفعه على جناحه ، ثم طار به ، فبينما هو في السماء الرابعة التقى بملك الموت ينظر في السماء ، ينظر يمينا وشمالا ، فسلم عليه ملك الشمس ، وقال : يا إدريس هذا ملك الموت فسلم عليه فقال ملك الموت : سبحان الله ! ولأي معنى رفعته هنا ؟ قال : رفعته لأريه الجنة . قال : فإن الله تعالى أمرني أن أقبض روح إدريس في السماء الرابعة . قلت : يا رب وأين إدريس من السماء الرابعة ، فنزلت فإذا هو معك ، فقبض روحه فرفعها إلى الجنة ، ودفنت الملائكة جثته في السماء الرابعة ، فذلك قوله تعالى : " ورفعناه مكانا عليا " . قال وهب بن منبه : كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لأهل الأرض في زمانه ، فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت ، فاستأذن ربه في زيارته فأذن له ، فأتاه في صورة آدمي ، وكان إدريس عليه السلام يصوم النهار ، فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل . ففعل به ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس ، وقال له : من أنت ! قال أنا ملك الموت ، استأذنت ربي أن أصحبك فأذن لي ، فقال : إن لي إليك حاجة . قال : وما هي ؟ قال : أن تقبض روحي . فأوحى{[10879]} الله تعالى إليه أن اقبض روحه ، فقبضه ورده إليه بعد ساعة ، وقال له ملك الموت : ما الفائدة في قبض روحك ؟ قال : لأذوق كرب الموت فأكون له أشد استعدادا . ثم قال له إدريس بعد ساعة{[10880]} : إن لي إليك حاجة أخرى . قال : وما هي ؟ قال أن ترفعني إلى السماء فأنظر إلى الجنة والنار ، فأذن الله تعالى له في رفعه إلى السموات ، فرأى النار فصعق ، فلما أفاق قال أرني الجنة ، فأدخله الجنة ، ثم قال له ملك الموت : أخرج لتعود إلى مقرك . فتعلق بشجرة وقال : لا أخرج منها . فبعث الله تعالى بينهما ملكا حكما ، فقال مالك لا تخرج ؟ قال : لأن الله تعالى قال " كل نفس ذائقة الموت " {[10881]} [ آل عمران :185 ] وأنا ذقته ، وقال : " وإن منكم إلا واردها " {[10882]} [ مريم :71 ] وقد وردتها ، وقال : " وما هم منها بمخرجين " {[10883]} [ الحجر : 48 ] فكيف أخرج ؟ قال الله تبارك وتعالى لملك الموت : " بإذني دخل الجنة وبأمري يخرج " فهو حي هنالك فذلك قوله " ورفعناه مكانا عليا " قال النحاس : قول إدريس " وما هم منها بمخرجين " يجوز أن يكون الله أعلم هذا إدريس ، ثم نزل القرآن به . قال وهب بن منبه : فإدريس تارة يرتع في الجنة ، وتارة يعبد الله تعالى مع الملائكة في السماء .
{ ورفعناه } جزاء منا له على تقواه وإحسانه ، {[48400]}رفعة تليق بعظمتنا ، فأحللناه{[48401]} { مكاناً علياً * } أي الجنة أو السماء الرابعة ، وهي التي رآه النبي صلى الله عليه وسلم بها ليلة الإسراء ؛ قال ابن قتيبة في المعارف{[48402]} : وفي التوراة أن أخنوخ{[48403]} أحسن قدام الله فرفعه{[48404]} إليه - انتهى . وفي نسخة ترجمة التوراة{[48405]} {[48406]}وهي قديمة جداً{[48407]} وقابلتها مع بعض فضلاء الربانيين من اليهود وعلى ترجمة سعيد الفيومي{[48408]} بالمعنى وكان هو القارئ{[48409]} ما نصه : وكانت جميع حياة حنوخ ثلاثمائة وخمساً وستين سنة{[48410]} ، فأرضى حنوخ الله ففقد لأن الله غيبه ، وفي نسخة أخرى{[48411]} : لأن الله قبله ، وفي أخرى : لأن الله أخذه . وهو قريب مما قال ابن قتيبة ، لأن أصل الكلام عبراني ، وإنما نقله إلى العربي المترجمون ، فكل ترجم على قدر فهمه من ذلك اللسان ، ويؤيد أن المراد الجنة ما{[48412]} في مجمع الزوائد{[48413]} للحافظ نور الدين الهيثمي عن معجمي الطبراني - الأوسط والأصغر إن لم يكن موضوعاً : حدثنا محمد بن واسط ثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي ثنا حجاج بن محمد عن أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد ابن أسلم عن عبيد الله بن أبي رافع عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" إن إدريس عليه السلام كان صديقاً لملك الموت فسأله أن يريه الجنة والنار ، فصعد بإدريس فأراه النار ففزع منها ، وكاد يغشى عليه فالتف عليه ملك الموت بجناحه ، فقال ملك الموت : أليس قد رأيتها ؟ قال : بلى ! ولم أر كاليوم قط ، ثم انطلق به حتى أراه الجنة فدخلها فقال له ملك الموت : انطلق ! قد رأيتها ، قال : إلى أين ؟ قال ملك الموت{[48414]} : حيث كنت ، قال إدريس : لا والله ! لا أخرج منها بعد إذ دخلتها ، فقيل لملك الموت : أليس أنت أدخلته إياها{[48415]} وأنه ليس لأحد دخلها أن يخرج منها " .
وقال : لا يروى عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد ، وقال الحافظ نور الدين : إبراهيم المصيصي متروك . قلت وفي لسان الميزان{[48416]} لتلميذه شيخنا حافظ العصر ابن حجر عن الذهبي أنه كذاب ، وعن ابن حبان أنه كان يسوي الحديث ، أي يدلس تدليس التسوية . وفي تفسير البغوي{[48417]} عن وهب قريب من هذا ، وفيه أنه سأل ملك الموت أن يقبض روحه ويردها إليه بعد ساعة ، فأوحى الله إليه أن يفعل ، وفيه أنه احتج في امتناعه من الخروج بأن كل نفس ذائقة الموت وقد ذاقه ، وأنه لا بد من ورود النار{[48418]} وقد وردها ، وأنه ليس أحد يخرج من الجنة ، فأوحى الله إلى ملك الموت : بإذني دخل الجنة - يعني : فخلِّ سبيله - فهو حي هناك . وفي تفسير البغوي{[48419]} أيضاً عن كعب وغيره أن إدريس عليه السلام مشى ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال : يا رب ! فكيف بمن يحملها ؟ اللهم ! خفف عنه{[48420]} من ثقلها ، فخفف عنه فسأل{[48421]} ربه عن السبب فأخبره فسأل أن يكون بينهما خلة ، فأتاه فسأله إدريس عليه السلام أن يسأل ملك الموت{[48422]} أن يؤخر أجله ، فقال{[48423]} : لا يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها ، وأنا مكلمه ، فرفع إدريس عليه السلام فوضعه عند مطلع الشمس ، ثم أتى ملك الموت وكلمه فقال : ليس ذلك إليّ ، ولكن إن{[48424]} أحببت أعلمته أجله {[48425]}فيتقدم في نفسه{[48426]} ، قال : نعم ! فنظر في ديوانه فقال : إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبداً ، قال : وكيف ذلك{[48427]} ؟ قال : لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس ، قال : فإني أتيتك وتركته{[48428]} هناك ، قال : انطلق فلا أراك تجده إلا و{[48429]}قد مات ، فوالله ما بقي من أجل إدريس - عليه السلام - شيء ، فرجع الملك{[48430]} فوجده ميتاً . ومن جيد المناسبات أن إسماعيل وإدرس عليهما الصلاة والسلام اشتركا في البيان بالعلم واللسان ، فإسماعيل عليه السلام أول من أجاد البيان باللسان ، وإدريس عليه السلام أول{[48431]} من أعرب الخطاب بالكتاب ، فقد روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أول من فتق لسانه بهذه العربية إسماعيل عليه السلام{[48432]} "
ولأحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أول من خط بالقلم إدريس عليه السلام{[48433]} " .