في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ} (54)

10

ولا بد إذن من التهوين من شأن المؤمنين :

( إن هؤلاء لشرذمة قليلون ) !

ففيم إذن ذلك الاهتمام بأمرهم ، والاحتشاد لهم وهم شرذمة قليلون !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ} (54)

قوله تعالى : " وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون " لما كان من سنته تعالى في عباده إنجاء المؤمنين المصدقين من أوليائه ، المعترفين برسالة رسله وأنبيائه ، وإهلاك الكافرين المكذبين لهم من أعدائه ، أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلا وسماهم عباده ؛ لأنهم آمنوا بموسى . ومعنى " إنكم متبعون " أي يتبعكم فرعون وقومه ليردوكم . وفي ضمن هذا الكلام تعريفهم أن الله ينجيهم منهم ، فخرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل سحرا ، فترك الطريق إلى الشام على يساره وتوجه نحو البحر ، فكان الرجل من بني إسرائيل يقول له في ترك الطريق فيقول : هكذا أمرت .

فلما أصبح فرعون وعلم بسُرى موسى ببني إسرائيل ، خرج في أثرهم ، وبعث إلى مدائن مصر لتلحقه العساكر ، فروي أنه لحقه ومعه مائة ألف أدهم من الخيل سوى سائر الألوان .

وروي أن بني إسرائيل كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا . والله أعلم بصحته . وإنما اللازم من الآية الذي يقطع به أن موسى عليه السلام خرج بجمع عظيم من بني إسرائيل ، وأن فرعون تبعه بأضعاف ذلك . قال ابن عباس : كان مع فرعون ألف جبار كلهم عليه تاج وكلهم أمير خيل . والشرذمة الجمع القليل المحتقر والجمع الشراذم . قال الجوهري : الشرذمة الطائفة من الناس والقطعة من الشيء . وثوب شراذم أي قطع . وأنشد الثعلبي قول الراجز :

جاء الشتاءُ وثيابي أخلاقْ *** شَرَاذِمٌ يضحك منها النَّوَّاقْ

النواق من الرجال الذي يروض الأمور ويصلحها{[12198]} ، قاله في الصحاح . واللام في قوله " لشرذمة " لام توكيد وكثيرا ما تدخل في خبر إن ، إلا أن الكوفيين لا يجيزون إن زيدا لسوف يقوم . والدليل على أنه جائز قوله تعالى : " فلسوف تعلمون " وهذه لام التوكيد بعينها وقد دخلت على سوف . قاله النحاس .


[12198]:ويقال هو اسم ابنه. ويروى (التواق) بالتاء.

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ} (54)

{ إن هؤلاء } إشارة بأداة القرب تحقيراً لهم إلى أنهم في القبضة وإن بعدوا ، لما بهم من العجز ، وبآل فرعون من القوة ، فليسوا بحيث يخاف قوتهم ولا ممانعتهم { لشرذمة } أي طائفة وقطعة من الناس .

ولما كانت قلتهم إنما هي بالنسبة إلى كثرة آل فرعون وقوتهم وما لهم عليهم من هيبة الاستعباد ، وكان التعبير بالشرذمة موهماً لأنهم في غاية القلة ، أزال هذا الوهم بالتعبير بالجمع دون المفرد ليفيد أنه خبر بعد خبر ، لا صفة ، وأن التعبير بالشرذمة إنما هو للإشارة إلى تفرق القلوب ، والجمع ولا سيما ما للسلامة مع كونه أيضاً للقلة أدل على أنهم أوزاع ، وفيه أيضاً إشارة إلى أنهم مع ضعفهم بقلة العدد آيسون من إسعاف بمدد . وليس لهم أهبة لقتال لعدم العدة لأنهم لم يكونوا قط في عداد من يقاتل كما تقول لمن تزدريه : هو أقل من أن يفعل كذا ، فقال : { قليلون* } أي بالنسبة إلى ما لنا من الجنود التي لا تحصى وإن كانوا في أنفسهم كثيرين ، فلا كثرة لهم تمنعكم أيها المحشورون من اتباعهم ؛ قال البغوي عن ابن مسعود رضي الله عنهما : كانوا ستمائة ألف وتسعين ألفاً ، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون - انتهى .

وكل هذا بيان لأن فرعون مع تناهي عظمته لم يقدر على أثرٍ ما في موسى عليه السلام ولا من اتبعه تحقيقاً لما تقدم من الوعد به أول القصة .