في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (97)

97

وفي ضوء هذا البيان المجمل نملك المضي مع نصوص هذا الدرس تفصيلاً :

( الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله ، واللّه عليم حكيم . ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ويتربص بكم الدوائر ، عليهم دائرة السوء ، واللّه سميع عليم . ومن الأعراب من يؤمن باللّه واليوم الآخر ، ويتخذ ما ينفق قربات عند اللّه وصلوات الرسول . ألا إنها قربة لهم ، سيدخلهم اللّه في رحمته ، إن اللّه غفور رحيم ) . .

بدأ بتصنيف الأعراب - وهم البدو - وقد كانت قبائل منهم حول المدينة ، وكانت لهم أدوار في الهجوم على دار الإسلام في المدينة - قبل إسلامهم - فلما أسلموا كانوا بوجه عام داخلين في الفئتين اللتين ورد وصفهما في هذه الآيات .

وقد بدأ الحديث عنهما بتقرير قاعدة كلية عن طبيعة الأعراب :

( الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله ، واللّه عليم حكيم ) .

والتعبير بهذا العموم يعطي وصفاً ثابتاً متعلقاً بالبدو وبالبداوة . فالشأن في البدو أن يكونوا أشد كفراً ونفاقاً ، وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله .

والجدارة بعدم العلم بما أنزل اللّه على رسوله ناشئة من ظروف حياتهم ، وما تنشئه في طباعهم من جفوة ، ومن بعد عن المعرفة وعن الوقوف عند الحدود ، ومن مادية حسية تجعل القيم المادية هي السائدة . وإن كان الإيمان يعدل من هذه الطباع ، ويرفع من تلك القيم ، ويصلهم بالأفق الوضيء المرتفع على الحسية .

وقد وردت روايات كثيرة عن جفوة الأعراب . . ومما أورده ابن كثير في التفسير :

" قال الأعمش عن إبراهيم قال : جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان ، وهو يحدث أصحابه ، وكانت يده قد أصيبت يوم " نهاوند " ، فقال الأعرابي : واللّه إن حديثك ليعجبني ، وإن يدك لتريبني ! فقال زيد : وما يريبك من يدي ? إنها الشمال ! فقال الأعرابي : واللّه ما أدري اليمين يقطعون أم الشمال ! فقال زيد ابن صوحان : صدق اللّه ورسوله : ( الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله ) " .

" وقال الإمام أحمد : حدثنا عبدالرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان ، عن أبي موسى ، عن وهب بن منبه ، عن ابن عباس ، عن رسول اللّه - [ ص ] - قال : " من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان افتتن " . . "

ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث اللّه منهم رسولاً ، وإنما كانت البعثة من أهل القرى كما قال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) .

" ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول اللّه - [ ص ] - فرد عليه أضعافها حتى رضي - ، قال : " لقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قرشي أو ثقفي أو أنصاري أو دوسي " لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن : مكة والطائف والمدينة واليمن ، فهم ألطف أخلاقاً من الأعراب لما في طباع الأعراب من الجفاء .

" قال حديث مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا : حدثنا أبو أسامة وابن نمير ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قدم ناس من الأعراب على رسول اللّه - [ ص ] - فقالوا :

أتقبلون صبيانكم ? قالوا : نعم ! قالوا : لكنا واللّه ما نقبل ! فقال رسول اللّه - [ ص ] - " وما أملك إن كان اللّه نزع منكم الرحمة ? " " . .

وكثير من الروايات يكشف عن طابع الجفوة والفظاظة في نفوس الأعراب . حتى بعد الإسلام . فلا جرم يكون الشأن فيهم أن يكونوا أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله ، لطول ما طبعتهم البداوة بالجفوة والغلظة عندما يقهرون غيرهم ؛ أو بالنفاق والالتواء عندما يقهرهم غيرهم ؛ وبالاعتداء وعدم الوقوف عند الحدود بسبب مقتضيات حياتهم في البادية

( واللّه عليم حكيم ) . .

عليم بأحوال عباده وصفاتهم وطباعهم . حكيم في توزيع المواهب والخصائص والاستعدادات ، وتنويع الأجناس والشعوب والبيئات .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (97)

فيه مسألتان :

الأولى - لما ذكر جل وعز أحوال المنافقين بالمدينة ذكر من كان خارجا منها ونائيا من الأعراب ، فقال كفرهم أشد . قال قتادة : لأنهم أبعد عن معرفة السنن . وقيل : لأنهم أقسى قلبا وأجفى قولا وأغلظ طبعا وأبعد عن سماع التنزيل ؛ ولذلك قال الله تعالى في حقهم : " وأجدر " أي أخلق . " ألا يعلموا " " أن " في موضع نصب بحذف الباء ، تقول : أنت جدير بأن تفعل وأن تفعل ؛ فإذا حذفت الباء لم يصلح إلا ب " أن " وإن أتيت بالباء صلح ب " أن " وغيره ، تقول : أنت جدير أن تقوم ، وجدير بالقيام . ولو قلت : أنت جدير القيام كان خطأ . وإنما صلح مع " أن " لأن أن يدل على الاستقبال فكأنها عوض من المحذوف . " حدود ما أنزل الله " أي فرائض الشرع . وقيل : حجج الله في الربوبية وبعثة الرسل لقلة نظرهم .

الثانية - ولما كان ذلك ودل على نقصهم وحطهم عن المرتبة الكاملة عن سواهم ترتبت على ذلك أحكام ثلاثة :

أولها : لا حق لهم في الفيء والغنيمة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث بريدة ، وفيه : ( ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ) .

وثانيها : إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة ؛ لما في ذلك من تحقق التهمة . وأجازها أبو حنيفة قال : لأنها لا تراعي كل تهمة ، والمسلمون كلهم عنده على العدالة . وأجازها الشافعي إذا كان عدلا مرضيا ؛ وهو الصحيح لما بيناه في " البقرة{[8214]} " . وقد وصف الله تعالى الأعراب هنا أوصافا ثلاثة : أحدها : بالكفر والنفاق . والثاني : بأنه يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر . والثالث : بالإيمان بالله وباليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ، فمن كانت هذه صفته فبعيد ألا تقبل شهادته فيلحق بالثاني والأول ، وذلك باطل . وقد مضى الكلام في هذا في " النساء{[8215]} " . وثالثها : أن إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة لجهلهم بالسنة وتركهم الجمعة . وكره أبو مجلز إمامة الأعرابي . وقال مالك : لا يؤم وإن كان أقرأهم . وقال سفيان الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي : الصلاة خلف الأعرابي جائزة . واختاره ابن المنذر إذا أقام حدود الصلاة .

قوله تعالى : " أشد " أصله أشدد ، وقد تقدم . " كفرا " نصب على البيان . " ونفاقا " عطف عليه . " وأجدر " عطف على أشد ، ومعناه أخلق ، يقال : فلان جدير بكذا أي خليق به ، وأنت جدير أن تفعل كذا ، والجمع جدراء وجديرون . وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء . فقوله : هو أجدر بكذا أي أقرب إليه وأحق به . " ألا يعلموا " أي بألا يعلموا . والعرب : جيل من الناس ، والنسبة إليهم عربي بين العروبة ، وهم أهل الأمصار . والأعراب منهم سكان البادية خاصة . وجاء في الشعر الفصيح أعاريب . والنسبة إلى الأعراب أعرابي لأنه لا واحد له ، وليس الأعراب جمعا للعرب كما كان الأنباط جمعا لنبط ، وإنما العرب اسم جنس . والعرب العاربة هم الخلص منهم ، وأخذ من لفظه وأكد به ، كقولك : ليل لائل . وربما قالوا : العرب العرباء . وتعرب أي تشبه بالعرب . وتعرب بعد هجرته أي صار أعرابيا . والعرب المستعربة هم الذين ليسوا بخلص ، وكذلك المتعربة ، والعربية هي هذه اللغة . ويعرب بن قحطان أول من تكلم بالعربية ، وهو أبو اليمن كلهم . والعُرب والعَرب واحد ، مثل العجم والعجم . والعريب تصغير العرب ؛ قال الشاعر :

ومَكْن الضِّبابِ طعام العريب*** ولا تشتهيه نفوس العجم{[8216]}

إنما صغرهم تعظيما ، كما قال : أنا جذيلها المُحَكَّك ، وعُذَيْقُهَا المُرَجَّب{[8217]} كله عن الجوهري . وحكى القشيري وجمع العربي العرب ، وجمع الأعرابي أعراب وأعاريب . والأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح ، والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب . والمهاجرون والأنصار عرب لا أعراب . وسميت العرب عربا ؛ لأن ولد إسماعيل نشؤوا من عربة وهي من تهامة فنسبوا إليها . وأقامت قريش بعربة وهي مكة ، وانتشر سائر العرب في جزيرتها .


[8214]:راجع ج 3 ص 396.
[8215]:راجع ج 5 ص 410 فما بعد.
[8216]:البيت لعبد المؤمن بن عبد القدوس. والمكن: بيض والجرادة ونحوها.
[8217]:الجذيل تصغير الجذل، وهو أصل الشجرة. والمحكك: الذي تتحكك به الإبل الجربي، وهو عود ينصب في مبارك الإبل لذلك والعذيق: تصغير العذق، وهو النخلة. والمرجب: الذي جعل له رجبة، وهي دعامة تبنى حولها من الحجارة. وهو من قول الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري يوم السقيفة عند بيعة أبي بكر رضي الله عنه يريد أنه قد جربته الأمور، وله رأي وعلم يشتفي بهما كما تشفى الإبل الجربي باحتكاكها بالجذل.