وبعد هذا التلخيص المشوق للقصة يأخذ السياق في التفصيل . ويبدأ هذا التفصيل بأن ما سيقصه الله منها هو فصل الخطاب في الروايات المتضاربة ، وهو الحق اليقين :
( نحن نقص عليك نبأهم بالحق . إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى . وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا : ربنا رب السماوات والأرض ، لن ندعو من دونه إلها . لقد قلنا إذن شططا . هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة . لولا يأتون عليهم بسلطان بين . فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ? وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون - إلا الله - فأووا إلى الكهف ، ينشر لكم ربكم من رحمته ، ويهيء لكم من أمركم مرفقا ) .
هذا هو المشهد الأول من مشاهد القصة . ( إنهم فتية آمنوا بربهم ) . . ( وزدناهم هدى ) بإلهامهم كيف يدبرون أمرهم .
لمَّا كانوا مأخوذين عنهم تولَّى الحق - سبحانه - أَنْ قصَّ عنهم ، وفَرْقٌ بين من كان عن نفسه وأوصافه قاصاً ؛ لبقائه في شاهده وكونه غيرَ منتفٍ بجملته . . وبين من كان موصوفاً بواسطة غيره ؛ لفنائه عنه وامتحائه منه وقيام غيره عنه .
ويقال لا تُسَمعُ قصةُ الأحباب أعلى وأَجَلّ مما تُسْمعُ من الأحباب ، قال عزَّ من قائل : { نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ } ، وأنشدوا :
وحَدَّثْتَنِي يا سَعْدُ عنها فَزِدْتني *** حنيناً فَزِدْني من حديثكَ يا سعدُ
قوله : { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ } : يقال إنهم فتية لأنهم آمنوا- على الوهلة - بربِّهم ، آمنوا من غير مهلة ، لمَّا أتتهم دواعي الوصلة .
ويقال فتية لأنهم قاموا لله ، وما استقروا حتى وصلوا إلى الله .
قوله جلّ ذكره : { وَزِدْنَاهُمْ هُدىً وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُُوبِهِمْ } .
لاَطفهم بإحضارهم ، ثم كاشفهم في أسرارهم ، بما زاد من أنوارهم ، فلقَّاهم أولاً التبيين ، ثم رقّاهم عن ذلك باليقين .
{ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ } : بزيادة اليقين حتى متع نهار معارفهم ، واستضاءت شموسُ تقديرهم ، ولم يَبْقَ للتردد مجالٌ في خواطرهم ، و ( . . . ) في التجريد أسرارهم ، وتَمَّتْ سكينةُ قلوبهم .
ويقال : { وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ } : بأن أفنيناهم عن الأغيار ، وأغنيناهم عن التفكُّر بما أوليناهم من أنوار التبصُّر .
ويقال ربطنا على قلوبهم بما أسكَنَّا فيها من شواهِدِ الغيب ، فلم تسنح فيها هواجسُ التخمين ولا وساوس الشياطين .
قوله جلّ ذكره : { إِذْ قَامُوا فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ } .
قاموا لله بالله ، ومَنْ قام بالله فُقِدَ عمَّا سوى الله .
ويقال من قام لله لم يقعد حتى يصلَ إلى الله .
ويقال قعدت عنهم الشهوات فَصَحَّ قيامُهم بالله .
قوله جلّ ذكره : { لَن نَدْعُوا مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً } .
مَنْ أحال الشيءَ على الحوادث فقد أشرك بالله ، ومَنْ قال إِنَّ الحوادث من غير الله فقد اتخذ إلهاً مِنْ دون الله .
{ 13-14 } { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا }
هذا شروع في تفصيل قصتهم ، وأن الله يقصها على نبيه بالحق والصدق ، الذي ما فيه شك ولا شبهة بوجه من الوجوه ، { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ } وهذا من جموع القلة ، يدل ذلك على أنهم دون العشرة ، { آمَنُوا } بالله وحده لا شريك له من دون قومهم ، فشكر الله لهم إيمانهم ، فزادهم هدى ، أي : بسبب أصل اهتدائهم إلى الإيمان ، زادهم الله من الهدى ، الذي هو العلم النافع ، والعمل الصالح ، كما قال تعالى : { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.