( وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده ) . .
وكل ما عدا الله ميت ، لأنه صائر إلى موت ، فلا يبقى إلا الحي الذي لا يموت . والتوكل على ميت ، تفارقه الحياة يوما طال عمره أم قصر ، هو ارتكان إلى ركن ينهار ، وإلى ظل يزول . إنما التوكل على الحي الدائم الذي لا يزول . . ( وسبح بحمده )ولا يحمد إلا الله المنعم الوهاب . . ودع أمر الكفار الذين لا ينفعهم التبشير والإنذار إلى الحي الذي لا يموت فهو يعلم ذنوبهم ولا يخفى عليه منها شيء : وكفى به بذنوب عباده خبيرا .
التوكلْ تفويضُ الأمور إلى الله وحقُّه وأصْلُهُ عِلْمُ العبدِ بأنَّ الحادثاتِ كلّها حاصِلةٌ من الله تعالى ، وأنه لا يقدر أحدٌ على الإيجاد غيرُه .
فإذا عَرَفَ هذا فهو فيما يحتاج إليه - إذا عَلِمَ أن مرادَهُ لا يرتفع إلا مِنْ قِبَلِ الله - حصل له أصل التوكل . وهذا القَدْرُ فَرْضٌ ، وهو من شرائط الإيمان ، فإن الله تعالى يقول : { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ المائدة :23 ] وما زاد على هذا القَدْرِ - وهو سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطرار - فهي أحوال تلحق بالتوكل على وجه كماله .
فإن تقرَّرَ هذا فالناس في الاكتفاء والسكون على أقسام ، ولكلِّ درجةٍ من هذه الأقسام اسم : إمَّا من حيث الاشتقاق ، أو من حيث الاصطلاح .
فأول رتبة فيه أن يكتفي بما فيه يده ، ولا يطلب زيادة عليه ، ويستريح قلبه من طلب الزيادة . . وتسمى هذه الحالة القناعة ، وفيها يقف صاحبها حيث وقف ، ويقنع بالحاصل له فلا يستزيد ثم اكتفاءُ كلِّ أحدٍ يختلف في القلة والكثرة ، وراحة قلوب هؤلاء في التخلص من الْحِرصِ وإرادة الزيادة .
ثم بعد هذا سكونُ القلب في حالة عَدَمِ وجود الأسباب ، فيكون مجرداً عن الشيء ، ويكون في إرادته متوكلاً على الله . وهؤلاء متباينون في الرتبة ، فواحد يكتفي بوعده لأنه صَدَقَه في ضمانه ، فيسكن - عند فقد الأسباب - بقلبه ثقةً منه بوعد ربه . . ويسمى هذا توكلاً ، ويقال على هذا : إن التوكل سكون القلب بضمان الربِّ ، أو سكون الجاش في طلب المعاش ، أو الاكتفاء بوعده عند عدم نَقْدِه ، أو الاكتفاء بالوعد عند فقد النقد .
وألطف من هذا أن يكتفي بِعِلْمِ أنه يعلم حاله فيشتغل بما أمره الله ؛ ويعمل على طاعته ؛ ولا يراعي إنجاز ما وَعَدَهَ ؛ بَل يِكلُ أمرَه إلى الله . . وهذا هو التسليم .
وفوق هذا التفويض ، وهو أنْ يَكِلَ أمرَه إلى الله . ولا يقترح على مولاه بحالٍ ، ولا يختار ؛ ويستوي عند وجودُ الأسباب وعَدَمُها ؛ فيشتغل بأداء ما ألزمه الله ؛ ولا يفكر في حال نَفْسِه ؛ ويعلم أنه مملوكٌ لمولاه ؛ والسيِّدُ أوْلَ بِعَبْدِهِ من العبد بنفسه .
فإذا ارتقى عن هذه الحالة وَجَدَ راحةً في المَنْع ؛ واستعذب ما يستقبله من الرَّدِّ . . . وتلك هي مرتبة الرضا ؛ ويصلح له في هذه الحالة من فوائد الرضا ولطائفه ما لا يحصل لِمَنْ دونَه من الحلاوة في وجود المقصود .
وبعد هذا الموافقة ؛ وهي ألا يجد الراحة في المَنْعِ ، بل يجد بَدَلَ هذا عند نسيم القربِ زوائد الأُنْس بنسيان كلِّ أرَبٍ ، ونيسان وجود سبب أو عدو وجود سبب ؛ فكما أنَ حلاوة الطاعة تتصاغر عند بَرْدِ الرضا - وأصحاب الرضا يعدون ذلك حجاباً - فكذلك أهل الأُنْسِ بالله . بنسيانِ كلِّ فَقْدٍ ووَجْدٍ ، وبالتغافل عن أحوالهم في الوجود والعدم يعدون النزول إلى استلذاذ المنع ، والاستقلال بلطائف نقصاناً في الحال .
ثم بعد هذا استيلاءُ سلطان الحقيقة فيؤخذ العبد عن جملته بالكلية ، والعبارة عن هذه الحالة أنه يحدث الخمود والاستهلاك والوجود والاصطلام والفناء . . وأمثال هذا ، وذلك هو عين التوحيد ، فعند ذلك لا أُنْسَ ولا هيبة ، ولا لذة ولا راحة ، ولا وحشة ولا آفة .
هذا بيان ترتيبهم فأمّا دون ذلك فالخبر عن أحوال المتوكلين - على تباين شِرْبِهم . - يختلف على على حسب اختلاف محالِّهم .
فيقال شرط التوكل أن يكون كالطفل في المهد ؛ لا شيء مِنْ قِبَلِه إلا أن يرضعه مَنْ هو في حضانته .
ويقال التوكل زوال الاستشراف ، وسقوط الطمع ، وفراغ القلب من تعب الانتظار .
ويقال التوكل السكون عند مجاري الأقدار على اختلافها .
ويقال إذا وثق القلب بجريان القسمة لا يضره الكسب ، ولا يقدح في توكله .
ويقال عوام المتوكلين إذا أُعْطُوا شكروا ، وإذا مُنعُوا صبروا . وخواصُّهم إذا أَعْطُوا آثروا ، وإذا مٌنِعُوا شكروا .
ويقال الحقُّ يجود على الأولياء - إذا توكلوا - بتيسير السبب من حيث يُحْتَسَبُ ولا يُحْتَسَبُ ، ويجود على الأصفياء بسقوط الأرب . . . وإذا لم يكن الأرَبُ فمتى يكون الطلب ؟
ويقال التوكل في الأسباب الدنيوية إلى حدَّ ، فأمَّا التوكل على الله في إصلاحه - سبحانه - أمورَ آخرِة العبد فهذا أشدُّ غموضاً ، وأكثرُ خفاءً . فالواجبُ في الأسباب الدنيوية أن يكون السكونُ عن طلبها غالباً ، والحركةُ تكون ضرورةً . فأمَّا في أمور الآخرة وما يتعلَّقُ بالطاعةِ فالواجبُ البِدارُ والجِدُّ والانكماشُ ، والخروجُ عن أوطان الكسل والجنوح إلى الفشل .
والذي يتَّصِفُ بالتواني في العبادات ، ويتباطؤ في تلافي ما ضيَّعَه من أرضاء الخصوم والقيام بحقِّ الواجبات ، ثم يعتقد في نفسه أنه متوكِّلٌ على الله وأنه - سبحانه - يعفو عنه فهو مُتَّهَمٌ معلولُ الحالِ ، ممكورٌ مُسْتَدْرَجٌ ، بل يجب أن يبذل جهده ، ويستفرغ وسعه . ثم بعد ذلك لا يعتمد على طاعته ، ولا يستنِدُ إلى سكونه وحركته ، ويتبرأُ بِسِرِّه من حَوْلِهِ وقوَّتِه . ثم يكون حَسَنَ الظنِّ بربِّه ، ومع حُسْنِ ظنه بربه لا ينبغي أن يخلوَ من مخافته ، اللهم إلا أن يَغْلِبَ على قلبه ما يشغله في الحال من كشوفات الحقائق عن الفكرة في العواقب ؛ فإن ذلك - إذا حَصَلَ - فالوقتُ غالِبٌ ، وهو أحد ما قيل في معاني قولهم : الوقت سيف .
وسبح بحمده : نزهه وصفه بصفات الكمال .
كفى : يقال : كفى بالعلم جمالا ، أي : حسبك ، فلا تحتاج معه إلى غيره .
خبيرا : الخبير بالشيء : العليم بظاهره وباطنه ، وبكل ما يتصل به .
58- { وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا } .
أي : اعتمد على الله الحي الدائم الحياة ، الباقي الذي لا يدركه فناء ولا موت ، استوثق بحبله واعتمد عليه ، والتوكل هو الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب ، وهذا التوكل نعم العون للعبد على بلوغ هدفه .
قال تعالى : { وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون } [ إبراهيم : 12 ] .
كن متوكلا على الله الحي الذي لا يموت أبدا ، الدائم الباقي السرمدي ، الأبدي الحي القيوم ، رب كل شيء ومليكه ، اجعله ذخرك وملجأ ، فإنه كافيك وناصرك ومؤيدك ومظهرك ، كما قال تعالى : { والله يعصمك من الناس . . . } [ المائدة : 67 ] .
أي : اقرن بين حمده وتسبيحه ، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك )23 أي : أخلص له العبادة والتوكل . اه .
وفي معنى الآية قوله تعالى : { إذا جاء نصر الله والفتح* ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا* فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } [ النصر : 1-3 ]
وقوله سبحانه : { فاعبده وتوكل عليه . . } [ هود : 123 ]
وقوله تعالى : { قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا . . } [ الملك : 29 ] .
ومعنى وسبح بحمده : نزّه الله تعالى ، عما يصفه به هؤلاء الكفار ، من الشركاء والأولاد فهو الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفؤا أحد .
أي : حسبك أن الله مطلع على أعمال العباد ، وهو عليهم رقيب وشهيد ، وسوف يجازيهم على أعمالهم ، فهو خبير بأحوالهم ، لا يحتاج إلى غيره ، وهو قادر على مجازاة المذنبين ، وفي هذا وعيد شديد وتهديد لكل مذنب بأن الله يراه ، ويعلم أعماله ، وسيجازيه عليها .
قوله : ( وتوكل على الحي الذي لا يموت ) التوكل على الله ، إظهار العجز أمام جلاله وعظيم سلطانه ، والاعتماد عليه والاستسلام إليه . والاسم التكلان{[3339]} وهو اعتماد القلب على الله في كل الأمور . وما الأسباب بعد ذلك إلا وسائط ومقدمات أمر الله بها دون الاعتماد عليها .
كذلك يكون المسلم ؛ فإنه يعتمد على الله في شأنه كله . لكن الله قد تعبّده باتخاذ الأسباب والمقدمات من أعمال واستعداد ومجاهدة ونحو ذلك . وهو سبحانه يقضي بما يشاء ؛ فهو الكبير الفعال لما يريد ، وهو المقتدر الذي له الحياة الدائمة ، المنزّه عن نقيصة الموت .
قوله : ( وسبح بحمده ) التسبيح معناه التنزيه ؛ أي نزّه الله عما يصفه به المشركون والمفترون مما لا يليق بجلاله العظيم . واذكره في نفسك توسلا وخشية واشكره على ما منّ به عليك من جزيل النّعم .
قوله : ( وكفى به بذنوب عباده خيرا ) ( وكفى به ) ، أي كفاك . فحذف المفعول به وهو الكاف ، والباء زائدة . و ( خبيرا ) ، منصوب على التمييز ، أو الحال{[3340]} ؛ أي حسبك بمن صفته الكمال هو الحي الذي لا يموت ، عليما بذنوب العباد ؛ فإنه لا يخفى عليه منها شيء ، وهو مطلع عليها ومحصيها عليهم جميعا ليجازيهم بها يوم القيامة . وفي ذلك من مخاطبة القلوب ما يثير فيها الخشية من الله وينشر فيها المزيد من اليقظة ودوام الترقب والحذر من معاصي الله الذي يعلم السر ولا تغيب عنه الأخبار والخوافي .