في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ} (54)

41

( كدأب آل فرعون والذين من قبلهم . كذبوا بآيات ربهم ، فأهلكناهم بذنوبهم ، وأغرقنا آل فرعون . وكل كانوا ظالمين ) .

لقد أهلكهم الله بعد التكذيب بآياته . ولم يهلكهم قبلها سبحانه - مع أنهم كانوا كافرين - لأن هذه سنته ورحمته : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ) . . وهو يعبر هنا عن آل فرعون والذين من قبلهم من أمثالهم الذين كذبوا بآيات الله فأهلكهم . . بأنهم ( كانوا ظالمين ) . . مستخدماً لفظ " الظلم " بمعنى " الكفر " أو " الشرك " وهذا هو الاستعمال الغالب في القرآن . .

ولا بد أن نقف قليلاً عند نص هذه الآية :

( ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) . .

إنه ، من جانب ، يقرر عدل الله في معاملة العباد ؛ فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم ، ويبدلوا سلوكهم ، ويقلبوا أوضاعهم ، ويستحقوا أن يغير ما بهم مما أعطاهم إياه للابتلاء والاختبار من النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها . . ومن الجانب الآخر يكرم هذا المخلوق الإنساني أكبر تكريم ، حين يجعل قدر الله به ينفذ ويجري عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله ؛ ويجعل التغيير القدري في حياة الناس مبنياً على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم ، وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم . . ومن الجانب الثالث يلقي تبعة عظيمة - تقابل التكريم العظيم - على هذا الكائن . فهو يملك أن يستبقي نعمة الله عليه ويملك أن يزاد عليها ، إذا هو عرف فشكر ؛ كما يملك أن يزيل هذه النعمة عنه إذا هو أنكر وبطر ، وانحرفت نواياه فانحرفت خطاه .

وهذه الحقيقة الكبيرة تمثل جانباً من جوانب " التصور الإسلامي لحقيقة الإنسان " ؛ وعلاقة قدر الله به في هذا الوجود ؛ وعلاقته هو بهذا الكون وما يجري فيه . . ومن هذا الجانب يتبين تقدير هذا الكائن في ميزان الله ؛ وتكريمه بهذا التقدير ؛ كما تتبين فاعلية الإنسان في مصير نفسه وفي مصير الأحداث من حوله ؛ فيبدو عنصراً إيجابياً في صياغة هذا المصير - بإذن الله وقدره الذي يجري من خلال حركته وعمله ونيته وسلوكه - وتنتفي عنه تلك السلبية الذليلة التي تفرضها عليه المذاهب المادية ، التي تصوره عنصراً سلبياً إزاء الحتميات الجبارة . حتمية الاقتصاد ، وحتمية التاريخ ، وحتمية التطور . . . إلى آخر الحتميات التي ليس للكائن الإنساني إزاءها حول ولا قوة ، ولا يملك إلا الخضوع المطلق لما تفرضه عليه وهو ضائع خانع مذلول !

كذلك تصور هذه الحقيقة ذلك التلازم بين العمل والجزاء في حياة هذا الكائن ونشاطه ؛ وتصور عدل الله المطلق ، في جعل هذا التلازم سنة من سننه يجري بها قدره ، ولا يظلم فيها عبد من عبيده :

وان الله ليس بظلام للعبيد . .

( فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين ) . .

( ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )

والحمد لله رب العالمين .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ} (54)

{ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ْ } أي : فرعون وقومه { وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ْ } حين جاءتهم { فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ْ } كل بحسب جرمه .

{ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ ْ } من المهلكين المعذبين { كَانُوا ظَالِمِينَ ْ } لأنفسهم ، ساعين في هلاكها ، لم يظلمهم اللّه ، ولا أخذهم بغير جرم اقترفوه ، فليحذر المخاطبون أن يشابهوهم في الظلم ، فيحل اللّه بهم من عقابه ما أحل بأولئك الفاسقين .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ} (54)

فلما جاءتهم الرسل وأوضحوا لهم الأمر إيضاحاً{[35156]} ليس معه لبس فكذبوهم ، غيروا ما كان{[35157]} في نفوسهم مما كانوا يزعمون ؛ ثم كرر قوله : { كدأب آل فرعون } أي فرعون وقومه فإنهم أتباعه فلا يخيل{[35158]} انهم يفعلون شيئاً إلا وهو قائدهم فيه { والذين من قبلهم } - لدقيقة ، وهي أنه قد تقدم أنه ما{[35159]} من أمة إلا ابتليت بالضراء والسراء ، فالأولى ينظر إليها مقام الإلهية الناظر إلى العظمة والكبرياء والقهر والانتقام ، والثانية ثمرة مقام الربوبية الناشىء عنه التودد والرحمة والرأفه والإكرام ، لذا عبر في الأولى باسم الذات الجامع لجميع الصفات الذي لفظه - عند من يقول باشتقاقه - موضوع لمعنى الإلهية إشارة إلى أنهم أعرضوا في حال الضراء عن التصديق وعاملوا بالتجلد والإصرار ، ولذا عبر في هذه الثانية باسم الرب فقال : { كذبوا } أي عناداً زيادة على تغطية ما دل عليه العقل بالتكذيب بالنقل { بآيات ربهم } فأشار بذلك إلى بطرهم بالنعم وتكذيبهم أنها بسبب دعاء الرسل .

ولما أشار بالتعبير به إلى أنه غرهم معاملته بالعطف والإحسان ، قال : { فأهلكناهم } أي جميعاً { بذنوبهم وأغرقنا } فأتى بنون العظمه{[35160]} إشارة إلى أنه أتاهم بما أنساهم{[35161]} ذلك البر { آل فرعون } و{[35162]} إشارة إلى أنهم نسوا أن الرب كما أنه يتصف بالرحمة فلا بد أن يتصف بالعظمة والنقمة وإلا لم تتم ربوبيته ، وهذا واضح مما تقدم في الأعراف عن التوراة في شرح

{ فأرسلنا عليهم الطوفان }{[35163]}[ الأعراف : 133 ] - إلى آخرها ، من أن فرعون كان يسأل{[35164]} موسى عليه السلام عند كل نازلة الدعاء برفعها معتلاً بأن الرب ذو حلم وأناة و{[35165]} رحمة ، وقدم الأولى إشارة إلى أنهم بلغوا الغاية في الجرأة ، والتعبير فيها ب { كفروا } يؤيد لذلك ، أي أن مجرد الستر للآيات بالإعراض عنها كافٍ في إيجاب الانتقام ولو لم يصرح بتكذيب لعظم المقام ، ومادة كفر - بأيّ ترتيبة كان{[35166]} - تدور على الخلطة المميلة المحيلة ، وبخصوص هذا الترتيب تدور على الستر ، أي غطوا{[35167]} التصديق بآيات ربهم ، ويجوز - وهوالأحسن - أن يكون دورانها - مطلقاً لا بقيد ترتيب - على الفكر{[35168]} ، وهو إرسال عين البصيرة في طلب أمر ويلزمه الكشف والستر لأنه تارة يرفع أذيال الشبه {[35169]}عن ذلك الأمر فينجلي ويتحقق ، وتارة يسلط قواطع الأدلة عليه فينعدم ويتمحق ، وربما أرخى أذيال الشبه{[35170]} عليه فأخفى بعد أن كان جلياً كما كان شمرها عنه فألقى وقد كان خفياً .

ولما أخبر سبحانه بهلاكهم ، أخبر بالوصف الجامع لهم بالهلاك فقال : { وكل } أي من هؤلاء ومن تقدمهم من آل فرعون ومن قبلهم { كانوا } أي جبلة وطبعاً { ظالمين * } أي{[35171]} لأنفسهم وغيرهم واضعين الآيات في غير مواضعها وهم يظنون بأنفسهم العدل ؛


[35156]:في ظ: أيضا.
[35157]:سقط من ظ.
[35158]:في ظ: يتخيل.
[35159]:زيد من ظ.
[35160]:زيد بعده في الأصل: ما، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[35161]:في ظ: نساهم.
[35162]:سقط من ظ.
[35163]:آية 133.
[35164]:من ظ، وفي الأصل: يرسل.
[35165]:زيد من ظ.
[35166]:من ظ، وفي الأصل: كانت.
[35167]:في ظ: غلطوا.
[35168]:من ظ، وفي الأصل: الكفر.
[35169]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35170]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35171]:سقط من ظ.