فماذا أنتم فاعلون إذ تبلغ الحلقوم ، وتقفون في مفرق الطريق المجهول ?
ثم يصور الموقف التصوير القرآني الموحي ، الذي يرسم ظلال الموقف كلها في لمسات سريعة ناطقة بكل ما فيه ، وبكل ما وراءه ، وبكل ما يوحيه .
( فلولا إذا بلغت الحلقوم . وأنتم حينئذ تنظرون . ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) . .
لنكاد نسمع صوت الحشرجة ، ونبصر تقبض الملامح ، ونحس الكرب والضيق من خلال قوله : ( فلولا إذا بلغت الحلقوم ) . .
لولا : حرف يفيد الحث على حصول ما بعده على سبيل الاستحسان أو الوجوب .
الحلقوم : تجويف خلف تجويف الفمّ ، وفيه ست فتحات : فتحة الفم الخلفية ، وفتحتا
83 ، 84- { فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ } .
في آيتين سابقتين استفهم منهم استفهاما إنكاريا على تكذيبهم بالقرآن ، وكفرهم بنعمة الله وعدم شكره ، حين قال سبحانه : { أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ } . ( الواقعة : 81-82 ) .
وهنا يتحدّاهم ، ويذكر عجزهم وضعفهم أمام ظاهرة معلومة ، حين تبلغ روح القريب لهم الحلقوم ، ويقترب الموت ، ويظهر العجز والضعف ، ويلتفّ حول الميت أقاربه وأحبابه ينظرون إليه وهو يعالج سكرات الموت ، ولا يستطيعون دفعه عنه ، مما يدلّ على عجز الإنسان ، وأنه مقهور مربوب للقدرة العليا التي تخلق وتوجد ، وتنفخ الروح ، وتميت الميّت ، وتدعو الإنسان على الاعتبار .
قال تعالى : { كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ } . ( القيامة : 26-30 ) .
جاء في التفسير الوسيط للأزهر بتصرف ما يأتي :
والروح : جسم لطيف سار في البدن سريان الماء في العود الأخضر ، وفي حياة الإنسان يتحرك ويدخل ويخرج ، ويقوم ويقعد ، ويأمر وينهى ، ويبيع ويشتري ، فإذا بلغت الروح الحلقوم حان الحين ، وظهر العجز ، ودنا الأجل ، والميت يجود بنفسه ، وأقاربه حوله يشاهدون ما يقاسيه من سكرات الموت وغمراته . أ ه .
وقوله تعالى : { تُكَذّبُونَ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم } الخ تبكيت كما سمعت وذلك باعتبار تكذيبهم بما نطق به قوله تعالى : { نَحْنُ خلقناكم } [ الواقعة : 57 ] الخ أعني الآيات الدالة على كونهم تحت ملكوته تعالى من حيث ذواتهم ومن حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معايشهم ولولا للتحضيض بإظهار عجزهم ، و { إِذَا } ظرفية ، و { الحلقوم } مجرى الطعام ؛ وضمير { بَلَغَتِ } للنفس لانفهامها من الكلام وإن لم يجر لها ذكر قبل ، والمراد بها الروح بمعنى البخار المنبعث عن القلب دون النفس الناطقة فإنها لا توصف بما ذكر وكأنه مبني على القول بتجرد النفس الناطقة وهي المسماة بالروح الأمرية ، وأنها لا داخل البدن ولا خارجه ولا تتصف بصفات الأجسام كالصعود والنزول وغيرهما على ما اختاره حجة الإسلام الغزالي وجماعة من المحققين ، ومذهب السلف أن النفس الناطقة وهي الروح المشار إليها بقوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى } [ الإسراء : 85 ] جسم لطيف جداً سار في البدن سريان ماء الورد في الورد وهو حي بنفسه يتصف بالخروج والدخول وغيرهما من صفات الأجسام ، وقد رد العلامة ابن القيم قول الغزالي ومن وافقه بأدلة كثيرة ذكرها في كتابه الروح ، ووصفها ببلوغ الحلقوم عليه ظاهر .
وأما على القول بالتجرد وعدم التحيز فقيل : المراد به ضعف التعلق بالبدن وقرب انقطاعه عنه فكأنه قيل : فلولا إذا حان انقطاع تعلق الروح بالبدن .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.