( ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ) . .
وتفرقت كلمتهم واعتقاداتهم وعباداتهم ، ولكن كلمة سبقت من الله أن يكون حسابهم الكامل يوم القيامة :
( ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ) . .
ولحكمة ما سبقت هذه الكلمة ، ولم يحل عذاب الاستئصال بهم ، لأن لهم كتابا ، والذين لهم كتاب من أتباع الرسل كلهم مؤجلون إلى يوم القيامة ، لأن الكتاب دليل هداية باق ، تستطيع الأجيال أن تتدبره كالجيل الذي أنزل فيه . والأمر ليس كذلك في الخوارق المادية التي لا يشهدها إلا جيل ، فإما أن يؤمن بها وإما أن لا يؤمن فيأخذه العذاب . . والتوراة والإنجيل كتابان متكاملان يظلان معروضين للأجيال حتى يجيء الكتاب الأخير ، مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل فيصبح هو الكتاب الأخير للناس جميعا يدعى إليه الناس جميعا ، ويحاسب على أساسه الناس جميعا ، بما فيهم أهل التوراة وأهل الإنجيل . ( وإنهم ) . . أي قوم موسى . . ( لفي شك منه مريب ) . . من كتب موسى ، لأنه لم يكتب إلا بعد أجيال ، وتفرقت فيه الروايات واضطربت ، فلا يقين فيه لمتبعيه .
وإذا كان العذاب قد أجل . . فإن الكل سيوفون أعمالهم خيرها وشرها . سيوفيهم بها العليم الخبير بها ولن تضيع :
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ 110 وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ 111 } .
فاختلف فيه : بالتصديق والتكذيب فآمن به قوم وكفر به قوم ، كما اختلف مشركو مكة في القرآن .
ولولا كلمة سبقت من ربك : لولا وعد سبق من ربك : بتأجيل العذاب حتى حين يعلمه .
شك منه مريب : شك مزعج محير مقلق .
110 { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ . . . } الآية .
تأتي هذه الآية ؛ تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بأن خلاف قومه عليه لم ينفرد به ؛ بل هو الشأن في جميع أمم المرسلين ، وضرب له مثلا بقوم موسى حين اختلفوا عليه .
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ . . . }
أي : كما اختلف قومك يا محمد بشأن القرآن ؛ فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه ، كذلك اختلف بنو إسرائيل بشأن التوراة ظلما وبغيا ، وتنازعا على الزعامة والمصالح المادية ؛ فآمن بالتوراة قوم وكفر بها آخرون .
{ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } .
أي : لولا سبق القضاء بتأخير العذاب إلى أجل مسمى ؛ لقضي بينهم في الدنيا ؛ بإهلاك العصاة وإنجاء المؤمنين ، كما حدث لأمم آخرين .
وتلك كلمة الله العليا في إمهال العصاة والكافرين ؛ رجاء توبتهم ورجوعهم إلى باب الله تعالى : قال تعالى : { وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا } . ( الكهف : 58 ) ، وقال تعالى : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا } . ( فاطر : 45 ) .
{ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ } .
وإن قومك يا محمد لفي شك من القرآن ، موقع في حيرة لهم ، ولو أنصفوا ؛ لبادروا إلى الإيمان به ؛ فإن مبعث ريبهم هو استمساكهم بدين الآباء ، وتعصبهم له ، وعدم إصغائهم إلى الرسول الناصح الأمين .
وبعض المفسرين أعاد الضمير في هذه الفقرة إلى قوم موسى ؛ إذ هم المختلفون في الكتاب الشاكون في التوراة كما قال تعالى : { وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب } . ( الشورى : 14 ) . والذين أورثوا الكتاب هم : اليهود والنصارى .
وقيل : يعود الضمير على المختلفين في الرسول من معاصريه والمختلفين في التوراة من بني إسرائيل .
قال ابن عطية : " وأن يعمهم اللفظ أحسن عندي وهذه الجملة من جملة تسليته صلى الله عليه وسلم " .
من تفسير فتح القدير للشوكاني :
قال الشوكاني : قوله سبحانه : { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } . أي : لولا أن الله تعالى قد حكم بتأخير عذابهم ، إلى يوم القيامة ؛ لما علم في ذلك من الصلاح ؛ { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } . أي : بين قومك ، أو بين قوم موسى فيما كانوا فيه مختلفين ، فأثيب المحق ، وعذب المبطل ، أو الكلمة هي : أن رحمته سبحانه سبقت غضبه ؛ فأمهلهم ولم يعاجلهم لذلك .
وقيل : إن الكلمة هي : أنهم لا يعذبون بعذاب الاستئصال ، وهذا من جملة التسلية له صلى الله عليه وسلم .
ولما ذكر في هذه الآية إعراضهم عن الإتباع مع ما أتى به من المعجزات وأنزل عليه من الكتاب ، سلاه بأخيه موسى عليهما السلام لأن الحال إذا عم خف ، وابتدأ ذكره بحرف التوقع بما دعا إلى توقعه من قرب ذكره مع فرعون مع ذكر كتابه أول السورة فقال تعالى : { ولقد آتينا } أي{[40212]} بما لنا من العظمة { موسى الكتاب } أي التوراة الجامعة للخير .
ولما كان الضار والمسلي{[40213]} نفس الاختلاف ، بني للمفعول قوله : { فاختلف فيه } فآمن به قوم وكفر به آخرون مع أنه إمام ورحمة وكتب سبحانه له فيه من كل شيء{[40214]} موعظة وتفصيلاً لكل شيء ، وكان معجباً لأهل ذلك الزمان كما اختلف في كتابك مع إعجابه لأهل هذا الزمان{[40215]} وبيانه للهدى أتم بيان ، إشارة إلى أن الخلق مهما جاءهم عن الله ، وهو لا يكون إلاّ مصحوباً بالأدلة القاطعة نأوا عنه واختلفوا فيه ، ومهما تلقفوه عن آبائهم تلقوه بالقبول وناضلوا عنه و سمحوا فيه بالمهج وإن كان منابذاً للعقول ، فكان قوم موسى باختلافهم في الكتاب كل قليل يأبى{[40216]} فريق منهم بعض أحكامه ويريدون نقض إبرامه كما سلف بيانه غير مرة عن نص التوراة وسفر يوشع إلى أن آل أمرهم الآن إلى أن صاروا ثلاث فرق : ربانيين{[40217]} ، وقرابين ، وسامرة ؛ يضلل بعضهم بعضاً ، ومع ذلك فلم يعاجلهم بالأخذ مع قدرته على ذلك كما فعل بمن قص أمره من الأمم لما سبق من حكمه{[40218]} بتأخيرهم إلى الأجل المعدود ، وفصل بين هذا وبين قصة موسى عليه السلام مع فرعون ليكون مع ما دعا إلى تقديم ما تقدم من الآيات أوقع في التسلية وأبلغ في التعزية والتأسية كما هو شأن كل ما ألقي إلى المحتاج شيئاً فشيئاً { ولولا كلمة } أي عظيمة لا يمكن تغييرها لأنها من كلام الملك الأعظم { سبقت من ربك } أي{[40219]} المحسن إليك وإليهم بإرسالك رحمة للعالمين { لقُضي } أي لوقع القضاء { بينهم } أي بين من{[40220]} اختلف في كتاب موسى عاجلاً ، ولكن سبقت الكلمة أن القضاء الكامل إنما يكون يوم القيامة كما قال في سورة يونس { فما اختلفوا حتى جاءهم العلم{[40221]} } - الآية .
ولما كان الاختلاف قد يكون بغير الكفر بين أنه به ، فقال مؤكداً لأن كل طائفة من اليهود تنكر شكها فيه وفعلها فعل الشاك : { وإنهم لفي شك } أي عظيم محيط بهم { منه } أي من القضاء أو{[40222]} الكتاب { مريب } أي موقع في الريب والتهمة والاضطراب مع ما رأوا من الآيات التي منها سماع كلام الله ورؤية ما كان يتجلى في جبل الطور من الجلال ويتبدى لهم في قبة الزمان من خارق الأحوال
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.