وقد أمر الرسول [ ص ] أن يعلن منهجه في مواجهة من ينكر بعض الكتاب ، وهو استمساكه الكامل بكامل الكتاب الذي أنزل إليه من ربه ، سواء فرح به أهل الكتاب كله ، أم أنكر فريق منهم بعضه . ذلك أن ما أنزل إليه هو الحكم الأخير ، نزل بلغته العربية وهو مفهوم له تماما ، وإليه يرجع ما دام هو حكم الله الأخير في العقيدة :
( وكذلك أنزلناه حكما عربيا ) . .
( ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق ) . .
فالذي جاءك هو العلم اليقين ، وما يقوله الأحزاب أهواء لا تستند إلى علم أو يقين . وهذا التهديد الموجه إلى الرسول [ ص ] أبلغ في تقرير هذه الحقيقة ، التي لا تسامح في الانحراف عنها ، حتى ولو كان من الرسول ، وحاشاه عليه الصلاة والسلام .
{ وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق37 } .
أنزلناه حكما عربيا : أي : أنزلنا القرآن حاكما للناس في قضاياهم بلسان العرب .
ولا واق : أي : ولا حافظ . من وقاه ، يقيه وقاية ، أي : حفظه .
37 { وكذلك أنزلناه حكما عربيا . . . }الآية .
أي : وكما أرسلنا قبلك المرسلين ، وأنزلنا عليهم الكتاب بلغاتهم وألسنتهم ؛ أنزلنا عليك القرآن مشتملا على فضيلتين :
{ حكما } . أي : بيان الأحكام والشرائع ، التي يحتاج إليها المكلفون وتقتضيها الحكمة .
{ عربيا } ؛ ليفهمه قومك ، ويسهل عليهم معرفة معانيه والرجوع إليه في الأحكام ، وهو شرف ورفعة لهم ، كان الأولى أن يقابلوه بالقبول والتصديق ، بدلا من الرفض والتكذيب ، فلو أنزل القرآن على جبل لخشع ، ولان لسماعه ، وقد سمعته الجن ؛ فقالوا : { إنا سمعنا قرءانا عجبا* يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا } . ( الجن : 2 ، 1 ) .
وفي معنى الآية بين الله : أن القرآن كتاب عربي ، يشرّف هذه الأمة ويعلي شأنها قال تعالى : { وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون } . ( الزخرف : 44 ) ، وقال عز شأنه : { لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون } . ( الأنبياء : 10 ) ، أي : فيه مجدكم وعزتكم وشرفكم .
{ ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم } أي : إذا اتبعت أهواء هؤلاء الأحزاب ؛ ابتغاء رضاهم ، كالتوجه إلى بيت المقدس ، بعد تحويل القبلة ، أو عبادة آلهتهم يوما ؛ ليعبدوا إلهك يوما مثله .
{ مالك من الله من ولي ولا واق } . أي : ليس لك من دون الله ولي يلي أمرك وينصرك ولا واق يقيك عذابه إن أراد عذابك ، فاحذر أن تتبع أهواءهم أو تنهج نهجهم ، والخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد : أمته ، وفي هذا وعيد للعلماء ؛ إن هم حادوا عن الطريق ، واتبعوا سبل أهل الضلالة .
ومثل هذا الخطاب من باب( إياك أعني واسمعي يا جارة ) ، فهو إنما جاء ؛ لقطع أطماع الكافرين ، وتهييج المؤمنين على الثبات في الدين .
وقال الدكتورحمد طنطاوي في التفسير الوسيط :
فكأنه سبحانه يقول : لو اتبع أهواءهم على سبيل الفرض أكرم الناس عندي ؛ لعاقبته ، وأحق بهذا العقاب من كان دونه في الفضل والمنزلة ، وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } . ( الزمر : 65 ) .
ولما بينت هذه الآيات من مراتب الإعجاز ما بينت ، أتبع تعالى ذكر ما أنزل قوله : { وكذلك } أي ومثل هذا الإنزال ، البديع المثال ، البعيد المنال ؛ ولا يبعد أن يكون عطفاً على { كذلك{[44367]} أرسلناك } أو مثل إنزال{[44368]} كتب أهل الكتاب { أنزلناه } بما لنا من العظمة حال كونه { حكماً عربيّاً } أي ممتلئاً حكمة تقضي بالحق ، فائقاً لجميع الكتب بهذا الوصف ؛ والحكم : القطع بالمعنى على ما تدعو إليه الحكمة ، وهو أيضاً فصل الأمر على الحق ؛ فالمعنى أنه لا يقدر أحد على نقض شيء منه ، فإن ذلك في الحقيقة هو الحكم ، وما ليس{[44369]} كذلك فليس بحكم ، والعربي : الجاري على مذاهب العرب في كلامها{[44370]} ، فلا تلتفت إلى ما تدعوهم إليه أهويتهم فيقترحونه من تأييدك بملك أو إتحافك بكنز أو تركك لبعض ما يوحى إليك من سب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم أو غير ذلك من طلباتهم التي لو أتيتهم بها لم يكونوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله - هذا في عباد الأوثان ، وكذا في أهل الكتاب فيما يدعون إليه من العود إلى قبلتهم ونحوه { ولئن اتبعت أهواءهم } في شيء من ذلك من النسخ أو غيره في القبلة أو غيرها ولا سيما مما يطلبونه من الآيات المقترحة كما قال تعالى : { ولئن أتيت{[44371]} الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك{[44372]} وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض{[44373]} ولئن اتبعت أهواءهم }[ البقرة :145 ] . ولما كان المراد التعميم في الزمان ، نزع الجار{[44374]} ، وأتى ب " ما " لأنها{[44375]} أعم من " الذي " وأشد إبهاماً ، فهي الخفيّ معنى ، فناسب سياق الوحي الذي هو غيب ، ومعناه غامض - إلا لبعض الأفراد - في الأغبياء بخلاف آية البقرة الأولى{[44376]} فإنها في الملة الإبراهيمية المدركة بنور العقل الناشىء عن نظر المحسوسات فقال : { بعدما جاءك } ولما كان قد أنعم عليه صلى الله عليه وسلم بأشياء غير العلم ، بين{[44377]} المراد بقوله : { من العلم } أي بالوحي بأن ذلك الاتباع لا يردهم سواء{[44378]} كان ذلك{[44379]} الاتباع{[44380]} في أصول الشريعة أو فروعها خفية كانت أو جلية .
ولما كان المشروط استغراق جميع زمان البعد باتباع الأهواء ، قال : { ما لك } حينئذ { من الله } أي الملك الأعلى وأعرق في النفي فقال : { من ولي } أي ناصر{[44381]} يتولى من{[44382]} نصرك وجميع أمرك ما يتولاه القريب مع قريبه . ولما كان مدلول " ما " أعم من مدلول{[44383]} " الذي " لشمولها الظاهر والخفي ، وكان من خالف{[44384]} الخفي أعذر ممن خالف الظاهر ، نفى الأخص من النصير فقال : { ولا واق * }{[44385]} أي يقيك بنفسه فيجعلها دون نفسك ، وقد يوجد من الأنصار من لا يسمح بذلك{[44386]} ، وهذا بعث للأمة وتهييج على الثبات في الدين والتصلب فيه ، والهوى - مقصوراً : ميل الطباع إلى الشيء بالشهوة ، والعلم : تبين{[44387]} الشيء على ما هو به .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.