في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (34)

33

ويستطرد من تطييب خاطر الرسول [ ص ] وبيان الأسباب الحقيقية لموقف المكذبين منه ومن دعوته ، ومن آيات الله الناطقة بصدقه وصدق ما جاء به . . يستطرد من هذا إلى تذكيره بما وقع لإخوانه الرسل قبله - وقد جاءه من أخبارهم في هذا القرآن - ثم ما كان منهم من الصبر والمضي في الطريق ، حتى جاءهم نصر الله . ليقرر أن هذه هي سنة الدعوات التي لا تتبدل ، ولا يغير منها اقتراحات المقترحين ، كما أنها لا تستعجل مهما ينزل بالدعاة من الأذى والتكذيب والضيق :

( ولقد كذبت رسل من قبلك ، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ، ولا مبدل لكلمات الله ، ولقد جاءك من نبأ المرسلين ) . .

إن موكب الدعوة إلى الله موغل في القدم ، ضارب في شعاب الزمن ، ماض في الطريق اللاحب ، ماض في الخط الواصب . . مستقيم الخطي ، ثابت الأقدام . يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل ، ويقاومه التابعون من الضالين والمتبوعون ، ويصيب الأذى من يصيب من الدعاة ، وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء . . والموكب في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد . . والعاقبة هي العاقبة ، مهما طال الزمن ومهما طال الطريق . . إن نصر الله دائما في نهاية الطريق :

( ولقد كذبت رسل من قبلك ، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ، ولا مبدل لكلمات الله ، ولقد جاءك من نبأ المرسلين ) . .

كلمات يقولها الله - سبحانه - لرسوله [ ص ] . . كلمات للذكرى ، وللتسرية وللمواساة ، والتأسية . . وهي ترسم للدعاة إلى الله من بعد رسول الله [ ص ] طريقهم واضحا ، ودورهم محددا ، كما ترسم لهم متاعب الطريق وعقباته ، ثم ما ينتظرهم بعد ذلك كله في نهاية الطريق . . .

إنها تعلمهم أن سنة الله في الدعوات واحدة . كما انها كذلك وحدة . وحدة لا تتجزأ . . دعوة تتلقاها الكثرة بالتكذيب ، وتتلقى أصحابها بالأذى . . وصبر من الدعاة على التكذيب وصبر كذلك على الأذى . . وسنة تجري بالنصر في النهاية . . ولكنها تجيء في موعدها . لا يعجلها عن هذا الموعد أن الدعاة الأبرياء الطيبين المخلصين يتلقون الأذى والتكذيب ، ولا أن المجرمين الضالين والمضلين يقدرون على أذى المخلصين الأبرياء الطيبين ! ولا يعجلها كذلك عن موعدها أن صاحب الدعوة المخلص المتجرد من ذاته ومن شهواته إنما يرغب في هداية قومه حبا في هدايتهم ، ويأسى على ما هم فيه من ضلال وشقوة ، وعلى ما ينتظرهم من دمار وعذاب في الدنيا والأخرة . . لا يعجلها عن موعدها شيء من ذلك كله . فإن الله لا يعجل لعجلة أحد من خلقه . ولا مبدل لكلماته . سواء تعلقت هذه الكلمات بالنصر المحتوم ، أم تعلقت بالأجل المرسوم .

إنه الجد الصارم ، والحسم الجازم ، إلى جانب التطمين والتسرية والمواساة والتسلية . .

/خ39

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (34)

المفردات :

لكلمات الله : المراد من كلمات الله ؛ وعده للمؤمنين ، ووعيده للكافرين .

نبأ : النبأ ؛ الخبر ذو الشأن العظيم .

التفسير :

34- ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأذوا حتى أتاهم نصرنا . . . الآية . هذه الآية من جملة التسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببيان ما عاناه الرسل السابقون بالدعوة ، حتى جاءهم نصر الله .

أي فاقتد بالرسل الذين من قبلك ، ولا تحزن ، واصبر كما صبروا على ما كذبوا به وأوذوا ، حتى يأتيك نصرنا ، كما أتاهم ، وأنت منصور على المكذبين ، ظاهر عليهم ، وقد كان ذلك والحمد لله .

ولا مبدل لكلمات الله . أي لا مغير لكلمات الله وآياته التي وعد فيها عباده الصالحين بالنصر على أعدائه ، فسنة الله مستمرة وقوانينه باقية وأحكامه لا تنقض ، ووعده لا يتخلف .

بيد أن الله لا يعجل لعجلة العباد ويمهل ولا يهمل ومن قوانينه أن يبارك المجاهدين ، وأن ينصر المرسلين .

قال تعالى : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز . ( المجادلة : 21 ) .

وقال سبحانه : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم المنصرون * وإن جندنا لهم الغالبون . ( الصافات : 171 : 173 ) .

وقال تعالى : إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد . ( غافر : 51 ) .

وبعض العلماء المحققين يرى أن المراد بكلمات الله شرائعه وصفاته وأحكامه وسننه في كونه ، ويدخل فيها دخولا أوليا ما وعد الله به أنبياءه وأولياءه من النصر والظفر ، وهذا الرأي أرجح من سابقه لأنه أعم وأشمل .

ولقد جاءك من نبإ المرسلين . أي ولقد قصصنا عليك من أخبار الرسل ما يثبت فؤادك ويطمئن نفسك ويبين كيفية إنجاء الله لهم ومن معهم من المؤمنين ، وكيف أهلك الله المكذبين .

قال تعالى : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك . ( هود : 120 )

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (34)

ولما سلاه{[29393]} بوعده النصرة المسببة عن علم المرسل القادر ، وبأن تكذيبهم إنما هو له سبحانه ، وهو مع ذلك يصبر عليهم ويحلم{[29394]} عنهم ، بل ويحسن إليهم بالرزق والمنافع ، زاده أن ذلك سنة في إخوانه من الرسل فقال : { ولقد } ولما كان المنكي هو التكذيب لا كونه من معين ، بني للمفعول قوله : { كذبت رسل } .

ولما كان تكذيبهم لم يستغرق الزمان ، وكان الاشتراك في شيء يهوّنه ، وكلما قرب الزمان كان أجدر بذلك{[29395]} أدخل الجار فقال : { من قبلك } بأن جحد قومهم ما يعرفون من صدقهم وأمانتهم كما فعل بك { فصبروا } أي فتسبب عن تكذيب قومهم لهم أنهم صبروا{[29396]} { على ما كذبوا وأوذوا } أي فصبروا أيضاً على ما أوذوا ، ثم أشار إلى الوعد بالنصر بشرط الصبر فقال : { حتى } أي وامتد صبرهم حتى { آتاهم نصرنا } أي فليكن لك بهم أسوة ، وفيهم مسلاة ، فاصبر حتى يأتيك النصر كما أتاهم ، فقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون{[29397]} في قولنا { فإن حزب الله هم الغالبون{[29398]} }[ المائدة : 56 ] { ولا مبدل لكلمات الله } أي لأن له جميع العظمة فلا كفوء له ، ودل سبحانه على صعوبة مقام الصبر جداً بالتأكيد فقال : { ولقد جاءك } ودل على عظيم ما تحملوا بقوله : { من نبإى المرسلين * } أي خبرهم العظيم في صبرهم واحتمالهم وطاعتهم وامتثالهم ورفقهم بمن أرسلوا إليهم ونصرنا لهم على من بغى{[29399]} عليهم ، ومجيء نبأهم{[29400]} تقدم إجمالاً وتفصيلاً ، أما إجمالاً ففي مثل قوله

{ وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير{[29401]} }[ آل عمران : 146 ] ، { أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم{[29402]} }[ البقرة : 87 ] وأما تفصيلاً ففي ذكر موسى{[29403]} وعيسى{[29404]} وغيرهما ؛ وفي قوله { فصبروا } أدل{[29405]} دليل على ما تقدم من أن النهي عن{[29406]} الحزن نهي عن تابعه المؤدي إلى عدم الصبر ، والتعبير بمن التبعيضية تهويل لما لقوا ، فهو أبلغ في التعزية .


[29393]:في ظ: تلاه.
[29394]:من ظ: وفي الأصل: يحله.
[29395]:زيد من ظ.
[29396]:في الأصل: صبر، وسقط من ظ.
[29397]:زيدت الواو بعده في ظ.
[29398]:سورة 5 آية 56.
[29399]:في ظ: بقى.
[29400]:من ظ، وفي الأصل: بيانهم.
[29401]:سورة 3 آية 146.
[29402]:سورة 2 آية 87.
[29403]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29404]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29405]:سقط من ظ.
[29406]:في ظ: على.