وقبل أن يفيقوا من تأثير ذلك المشهد المتوقع يتلقاهم بتوقع جديد ، ليس على الله ببعيد ، يريهم فيه مصارعهم - وهم الظالمون : أي المشركون - وهو يرسم مصارع الظالمين حين يباغتهم عذاب الله أو يواجههم ؛ وحين يأتيهم على غرة أو وهم مستيقظون :
( قل : أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة ، هل يهلك إلا القوم الظالمون ؟ ) . .
إن عذاب الله يأتي في أية صورة وفي أية حالة . وسواء جاءهم العذاب بغتة وهم غارون لا يتوقعونه ، أو جاءهم جهرة وهم صاحون متأهبون . فإن الهلاك سيحل بالقوم الظالمين - أي المشركين كغالبية التعبير في القرآن الكريم - وسينالهم هم دون سواهم . ولن يدفعوه عن أنفسهم سواء جاءهم بغتة أو جهرة . فهم أضعف من أن يدفعوه ولو واجهوه ! ولن يدفعه عنهم أحد ممن يتولونهم من الشركاء . فكلهم من عبيدالله الضعفاء !
وهو توقع يعرضه السياق عليهم ليتقوه ، ويتقوا أسبابه قبل أن يجيء . والله - سبحانه - يعلم أن عرض هذا التوقع في هذا المشهد يخاطب الكينونة البشرية خطابا تعرفه في قرارتها ، وتعرف ما وراءه من حقيقة ترجف لها القلوب !
جهرة : أي علنا : يقال جهر بصلاته يجهر جهرا . أعلنها .
47- قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون .
والمعنى : قل لهم أيها الرسول الكريم أخبروني عن مصيركم إن أتاكم عذاب الله مباغتا ومفاجئا لكم من غير ترقب ولا انتظار ، أو أتاكم ظاهرا واضحا بحيث ترون مقدماته ومبادئه ، هل يهلك به إلا القوم الظالمون ؟
والاستفهام في قوله تعالى : هل يهلك إلا القوم الظالمون . للتقرير .
أي هل يهلك – انتقاما بهذا العذاب أو ذاك – سواكم أيها القوم الظالمون لأنفسهم بالشرك والمعاصي .
وقد صحت مقابلة البغتة بالجهرة ، لأن البغتة ما كانت مقدماتها خفية ، فقوبلت بالجهرة الظاهرة التي تسبقها علامات .
وقيل عذاب البغتة ما كان ليلا لأن الغالب فيه ذلك وعذاب الجهرة ما كان نهارا . قال تعالى : قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون . ( يونس : 50 ) .
ولما قرن الأخذ بالبغت تارة صريحاً وتارة إشارة بإسقاط الكاف ؛ كان ربما وقع في وهم السؤالُ عن حالة الجهر ، أتبع ذلك ذكره مفصلاً لما أجمل من الأحوال في الآيتين قبل فقال : { قل أرءيتكم } ولما كان المعنى : أخبروني ، وكان كأنه قيل : عما ذا ؟ قيل : { إن أتاكم عذاب الله } أي الذي له جميع صفات الكمال فلا يعجزه شيء { بغتة }{[29658]} أي بحيث لا يرى إلا ملتبساً بكم من غير أن يشعر به ويظهر شيء من أماراته{[29659]} ، { {[29660]} أو جهرة{[29661]} } أي بحيث ترونه مقبلاً إليكم مقدماً عليكم { هل } .
ولما كان المخوف بالذات هو الهلاك من غير نظر إلى تعيين الفاعل ، بني للمفعول قوله : { يهلك } أي في واحدة من الحالتين هلاكاً هو الهلاك ، {[29662]} وهو هلاك السخط{[29663]} { إلا القوم } أي الذين لهم قوة المدافعة وشدة المقاتلة في زعمكم والمقاومة { الظالمون * } أي بوضع الأشياء في غير مواضعها من إعطاء الشيء{[29664]} لمن لا يستحقه ومنع المستحق ما له ، وأما المصلح فإنه ناج{[29665]} إما في الدارين وإما في الآخرة التي من{[29666]} فاز فيها{[29667]} فلا توى عليه ؛ وذكر أبو حيان أنه{[29668]} لما كان مطلق العذاب صالحاً لكل ما يعلم من تفاصيل أهواله وما لا يعلم ، كان التوعد به أهول{[29669]} ، فلذلك أكد فيه في الآيتين الخطاب بالضمير بحرف الخطاب ، والتوعد بأخذ السمع وما معه من جملة الأنواع التي اشتمل عليها ذلك المطلق{[29670]} فأعري من حرف الخطاب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.