( فأنجيناه والذين معه برحمة منا ، وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا ، وما كانوا مؤمنين )
فهو المحق الكامل الذي لا يتخلف منه أحد . وهو ما عبر عنه بقطع الدابر . والدابر هو آخر واحد في الركب يتبع أدبار القوم !
وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين . وتحقق النذير مرة أخرى بعد إذ لم ينفع التذكير . . ولا يفصل السياق هنا ما يفصله من أمر هذا الهلاك في السور الأخرى . فنقف نحن في ظلال النص الذي يهدف إلى الإستعراض السريع ؛ ولا نخوض في تفصيل له مواضعه في النصوص .
قطعنا دابر : أهلكنا آخر والمراد : أهلكنا الجميع .
72- فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين .
أرسل الله سبحانه سوداء على عاد قوم هود فاستبشروا بها قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيه عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم . . . ( الأحقاف : 24 ، 25 ) .
وكان العذاب الذي أخذهم الله به ريحا عاصفة شديدة البرد ، دمرت ديارهم وأشجارهم ، وكانت تحمل الحجارة فتقذفها في وجوههم وتحملهم فتضربهم بالأرض .
قال تعالى : وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية * سخرها عليهم سبع ليال وثمانية حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية . ( الحاقة : 6-7 ) .
نجى الله هودا ومن آمن به كمرثد بن سعيد ، وقطع دابر الكافرين ، أي : أهلكهم هلاكا عاما يستأصلهم عن آخرهم ، بالريح العقيم ، ما تذر في شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ، وكان هذا بسبب كفرهم .
وفي قوله تعالى : وما كانوا مؤمنين إشارة إلى أنهم لن يكونوا أبدا من المؤمنين ، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم . ( يونس : 97 ) .
وقصة عاد أنهم كانوا باليمن بالأحقاف ، وكانوا قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان إلى حضرموت ، وكانت لهم أصنام يعبدونها : صدا وصمودا وإلهبا . فبعث الله تعالى إليهم هودا نبيا وكان من أوسطهم وأفضلهم حسبا فكذبوه وازدادوا عنوا وتجبرا ؛ فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا . . . فأظهر مرثد بن سعيد إسلامه ، وآمن بهود عليه السلام ، وأصرت عاد على الكفر والعناد فأرسل الله عليهم الريح العقيم فأهلكتهم . اه .
قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ) ( 69 ) .
ولما كان هذا ينبغي أن يكون سبباً للتصديق الذي هو سبب الرحمة{[32551]} ، بين أنه إنما سبب لهم العذاب ، وله ولمن تبعه النجاة ، فبدأ بالمؤمنين اهتماماً بشأنهم بقوله{[32552]} : { فأنجيناه } أي بما لنا من العظمة إنجاء وحيّاً سريعاً سللناهم به من ذلك العذاب كسل الشعرة من العجين{[32553]} { والذين معه } أي في الطاعة ، وأشار إلى أنه لا يجب على الله شيء بقوله : { برحمة } أي بإكرام وحياطة { منا } أي لا بعمل ولا غيره{[32554]} .
ولما قدم الإنجاء اهتماماً به ، أتبعه حالهم فقال معلماً بأن أخذه على غير أخذ الملوك الذين يعجزون عن الاستقصاء في الطلب ، فتفوتهم أواخر العساكر {[32555]}وشذاب{[32556]} الجنود والأتباع { وقطعنا } دابرهم أي آخرهم ، هكذا كان الأصل ، ولكنه أظهر تصريحاً بالمقصود وبياناً لعلة أخذهم فقال : { دابر } أي آخر ، أي استأصلنا وجعلنا ذلك الاستئصال معجزة لهود عليه السلام { الذين كذبوا بآياتنا } أي ولم يراقبوا عظمتها بالنسبة إلينا{[32557]} وقوله : { وما كانوا } أي خلقاً وجبلة { مؤمنين* } عطف على صلة { الذين } وهي { كذبوا بآياتنا } وهي جارية مجرى التعليل لأخذهم مؤذنة بأنه{[32558]} لا يحصل منهم صلاح كما ختم قصة نوح بقول{ إنهم كانوا قوماً عمين }[ الأعراف : 64 ] تعليلاً لإغراقهم ، أي أنا قطعنا دابرهم وهم مستحقون لذلك ، لأنهم غير قابلين للإيمان لما فيهم من شدة العناد ولزوم الإلحاد ، فالمعنى : وما كان الإيمان من صفتهم ، أي ما آمنوا في الماضي ولا يؤمنون في الآتي ، فيخرج منه من آمن وكان قد كذب قبل إيمانه ومن لم يؤمن في حال دعائه لهم وفي علم الله أنه سيؤمن ، ويزيده حسناً أنهم لما افتتحوا كلامهم بأن نسبوه إلى السفاهة كاذبين ؛ ناسب ختم القصة بأن يقلب الأمر عليهم فيوصفوا {[32559]}بمثل ذلك{[32560]} صدقاً بكلام يبين أن اتصافهم به هو الموجب لما فعل بهم ، لأن الإيمان لا يصدر إلا عن كمال الثبات والرزانة وترك الهوى وقمع رعونات النفس والانقياد لواضح الأدلة وظاهر البراهين ، فمن تركه مع ذلك فهو في غاية الطيش والخفة وعدم العقل ، وأيضاً فوصفهم بالتكذيب بالفعل الماضي لا يفهم دوامهم على تكذيبهم ، فقال سبحانه ذلك لنفي احتمال أنهم آمنوا بعد التكذيب وأن أخذهم إنما كان لمطلق صدور التكذيب منهم ، وأنهم لم يبادروا إلى الإيمان قبل التكذيب ، ويحتمل أن تكون{[32561]} الجملة حالاً ، والمعنى على كل تقدير : قطعنا دابرهم في حال تكذيبهم وعدم إيمانهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.