نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَقَطَعۡنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ وَمَا كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ} (72)

ولما كان هذا ينبغي أن يكون سبباً للتصديق الذي هو سبب الرحمة{[32551]} ، بين أنه إنما سبب لهم العذاب ، وله ولمن تبعه النجاة ، فبدأ بالمؤمنين اهتماماً بشأنهم بقوله{[32552]} : { فأنجيناه } أي بما لنا من العظمة إنجاء وحيّاً سريعاً سللناهم به من ذلك العذاب كسل الشعرة من العجين{[32553]} { والذين معه } أي في الطاعة ، وأشار إلى أنه لا يجب على الله شيء بقوله : { برحمة } أي بإكرام وحياطة { منا } أي لا بعمل ولا غيره{[32554]} .

ولما قدم الإنجاء اهتماماً به ، أتبعه حالهم فقال معلماً بأن أخذه على غير أخذ الملوك الذين يعجزون عن الاستقصاء في الطلب ، فتفوتهم أواخر العساكر {[32555]}وشذاب{[32556]} الجنود والأتباع { وقطعنا } دابرهم أي آخرهم ، هكذا كان الأصل ، ولكنه أظهر تصريحاً بالمقصود وبياناً لعلة أخذهم فقال : { دابر } أي آخر ، أي استأصلنا وجعلنا ذلك الاستئصال معجزة لهود عليه السلام { الذين كذبوا بآياتنا } أي ولم يراقبوا عظمتها بالنسبة إلينا{[32557]} وقوله : { وما كانوا } أي خلقاً وجبلة { مؤمنين* } عطف على صلة { الذين } وهي { كذبوا بآياتنا } وهي جارية مجرى التعليل لأخذهم مؤذنة بأنه{[32558]} لا يحصل منهم صلاح كما ختم قصة نوح بقول{ إنهم كانوا قوماً عمين }[ الأعراف : 64 ] تعليلاً لإغراقهم ، أي أنا قطعنا دابرهم وهم مستحقون لذلك ، لأنهم غير قابلين للإيمان لما فيهم من شدة العناد ولزوم الإلحاد ، فالمعنى : وما كان الإيمان من صفتهم ، أي ما آمنوا في الماضي ولا يؤمنون في الآتي ، فيخرج منه من آمن وكان قد كذب قبل إيمانه ومن لم يؤمن في حال دعائه لهم وفي علم الله أنه سيؤمن ، ويزيده حسناً أنهم لما افتتحوا كلامهم بأن نسبوه إلى السفاهة كاذبين ؛ ناسب ختم القصة بأن يقلب الأمر عليهم فيوصفوا {[32559]}بمثل ذلك{[32560]} صدقاً بكلام يبين أن اتصافهم به هو الموجب لما فعل بهم ، لأن الإيمان لا يصدر إلا عن كمال الثبات والرزانة وترك الهوى وقمع رعونات النفس والانقياد لواضح الأدلة وظاهر البراهين ، فمن تركه مع ذلك فهو في غاية الطيش والخفة وعدم العقل ، وأيضاً فوصفهم بالتكذيب بالفعل الماضي لا يفهم دوامهم على تكذيبهم ، فقال سبحانه ذلك لنفي احتمال أنهم آمنوا بعد التكذيب وأن أخذهم إنما كان لمطلق صدور التكذيب منهم ، وأنهم لم يبادروا إلى الإيمان قبل التكذيب ، ويحتمل أن تكون{[32561]} الجملة حالاً ، والمعنى على كل تقدير : قطعنا دابرهم في حال تكذيبهم وعدم إيمانهم .


[32551]:- زيد بعده في الأصل: ما، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[32552]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32553]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32554]:- في ظ: بغيره.
[32555]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32556]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32557]:- زيد من ظ.
[32558]:-زيد من ظ.
[32559]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32560]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32561]:- من ظ، وفي الأصل يكون.