( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) . .
وهذه حقيقة عجيبة تكشف عن قاعدة الخلق في هذه الأرض - وربما في هذا الكون . إذ أن التعبير لا يخصص الأرض - قاعدة الزوجية في الخلق . وهي ظاهرة في الأحياء . ولكن كلمة( شيء )تشمل غير الأحياء أيضا . والتعبير يقرر أن الأشياء كالأحياء مخلوقة على أساس الزوجية .
وحين نتذكر أن هذا النص عرفه البشر منذ أربعة عشر قرنا . وأن فكرة عموم الزوجية - حتى في الأحياء - لم تكن معروفة حينذاك . فضلا على عموم الزوجية في كل شيء . . حين نتذكر هذا نجدنا أمام أمر عجيب عظيم . . وهو يطلعنا على الحقائق الكونية في هذه الصورة العجيبة المبكرة كل التبكير !
كما أن هذا النص يجعلنا نرجح أن البحوث العلمية الحديثة سائرة في طريق الوصول إلى الحقيقة . وهي تكاد تقرر أن بناء الكون كله يرجع إلى الذرة . وأن الذرة مؤلفة من زوج من الكهرباء : موجب وسالب ! فقد تكون تلك البحوث إذن على طريق الحقيقة في ضوء هذا النص العجيب . .
زوجين : صنفين مزدوجين ، ونوعين مختلفين .
49- { وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } .
إثراء الحياة مترتب على العلاقة بين الذكر والأنثى ، نجد ذلك في الإنسان والحيوان والنبات وغيرها ، وقد امتن الله على عباده بهذه القدرة التي تثري الحياة ، فالمطر يترتب على علاقة بين سحابة موجبة وسحابة سالبة .
قال تعالى : { وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } . ( الحجر : 22 )
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الرياح تلقح النبات ، لكن إذا تأملنا في الآية وجدنا أن الرياح تلقّح السحاب لينزل المطر ، والرياح فعلا تلقّح النبات ، ولها آثار أخرى ، وقد امتن الله على عباده بأنه خلق الذكر والأنثى .
قال تعالى : { وما خَلََقَ الذكر والأنثى*إنّ سعيكم لشتّى . } ( الليل : 3-4 ) .
وقال عز شأنه : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة . . . }( النحل : 72 ) .
وحين كان نوح عليه السلام يصنع سفينته للنجاة من الطوفان ، أمره الله أن يحمل فيها من كلِّ زوجين اثنين ، لتبدأ الحياة مرة أخرى بين الذكر والأنثى .
قال تعالى : { حتى إذا جاء أمرنا وفار التَّنُّور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين . . . }( هود : 40 ) .
وبالنسبة للإنسان نجد أن الله خلق الرجل والمرأة ، وحين خلق آدم خلق من ضلعه حواء ، ومن نسلهما كانت البشرية .
قال تعالى : { يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالا كثيرا ونساءً . . . }( النساء : 1 ) .
ونجد مثل ذلك في الحيوان والطيور والزواحف والحشرات ، وأنواع النباتات والأزهار وغيرها .
قال الأستاذ أحمد مصطفى المراغي في تفسير قوله تعالى :
{ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } .
أي : إنا خلقنا لكل ما خلقنا من الأرض ثانيا له ، مخالفا له في مبناه والمراد منه ، وكل منهما زوج للآخر ، فخلقنا السعادة والشقاوة ، والهدى والضلال ، والليل والنهار ، والسماء والأرض ، والسواد والبياض ، لتتذكروا وتعتبروا فتعلموا أن ربكم الذي ينبغي لكم أن تعبدوه وحده لا شريك له هو الذي يقدر على خلق الشيء وخلافه ، وابتداع زوجين من كل شيء ، لا ما لا يقدر على ذلك12 .
{ ومن كل شيء خلقنا زوجين } : أي وخلقنا من كل شيء صنفين أي ذكراً وأنثى ، خيراً وشراً ، علوّاً وسفلاً .
{ لعلكم تذكرون } : أي تذكرون أن خالق الأزواج كلها هو إله فرد فلا يعبد معه غيره .
وثالث مظاهر القدرة في قوله : { ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون } فهذا لفظ عام يعم سائر المخلوقات وأنها كلها أزواج وليس فيها فرد قط . والذوات كالصفات فالسماء يقابلها الأرض ، والحر يقابله البرد ، والذكر يقابله الأنثى ، والبر يقابله البحر ، والخير يقابله الشر ، والمعروف يقابله المنكر ، فهي أزواج بمعنى أصناف كما أن سائر الحيوانات هي أزواج من ذكر وأنثى . وقوله { لعلكم تذكرون } أي خلقنا من كل شيء زوجين رجاء أن تذكروا فتعلموا أن خالق هذه الأزواج هو الله الفرد الصمد الواحد الأحد لا إله غيره ولا رب سواه فتعبدوه وحده ولا تشركوا به سواه من سائر خلقه .
- ظاهرة الزوجية في الكون في الذرة انبهر لها العقل الإِنساني وهي مما سبق إليه القرآن الكريم وقرره في غير موضع منه : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسه ومما لا يعلمون . فدل هذا قطعاً أن القرآن وحي الله وأن من أوحى به إليه وهو محمد بن عبد الله لن يكون إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
{ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } [ أي : صنفين ] ، ذكر وأنثى ، من كل نوع من أنواع الحيوانات ، { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ لنعم الله التي أنعم بها عليكم ]{[862]} في تقدير ذلك ، وحكمته حيث جعل ما هو السبب لبقاء نوع الحيوانات كلها ، لتقوموا بتنميتها وخدمتها وتربيتها ، فيحصل من ذلك ما يحصل من المنافع .
" ومن كل شيء خلقنا زوجين " أي صنفين ونوعين مختلفين . قال ابن زيد : أي ذكرا وأنثى وحلوا وحامضا ونحو ذلك . مجاهد : يعني الذكر والأنثى ، والسماء والأرض ، والشمس والقمر ، والليل والنهار ، والنور والظلام ، والسهل والجبل ، والجن والإنس ، والخير والشر ، والبكرة والعشي ، وكالأشياء المختلفة الألوان من الطعوم والأراييح والأصوات . أي جعلنا هذا كهذا دلالة على قدرتنا ، ومن قدر على هذا فليقدر على الإعادة . وقيل : " ومن كل شيء خلقنا زوجين " لتعلموا أن خالق الأزواج فرد ، فلا يقدر في صفته حركة ولا سكون ، ولا ضياء ولا ظلام ، ولا قعود ولا قيام ، ولا ابتداء ولا انتهاء ؛ إذ عز وجل وِتْرٌ " ليس كمثله شيء{[14258]} " [ الشورى : 11 ] . " لعلكم تذكرون " .