فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (49)

{ ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون( 49 ) }

ومن كل أجناس الخليقة أنشأنا الشيء ومقابله ؛ فربنا- تبارك اسمه- هو خالق الأصناف كلها : الذكر والأنثى ، الليل والنهار ، السعة والضيق ، السراء والضراء ، الهدى والضلال ، الموت والحياة ، الطول والعرض ؛ يقول علماء الكلام :

الممكنات المتقابلات *** وجودنا والعدم الصفات{[5496]}

أزمنة{[5497]} أمكنة{[5498]} جهات{[5499]} *** كذا المقادير{[5500]} روى الثقات .

ويقول العلماء التجريبيون : خلق الله السالب والموجب ، والجاذب والمنجذب ، والمؤثر والمتأثر .

{ لعلكم تذكرون } فهل نتذكر أن الكامل هو الذي يخلق الشيء صنفين كلاهما مخالف للآخر ، وهو سبحانه يفعل بكل ما يريد ؟ . . ولتعلموا أن خالق الأزواج فرد ، فلا يُقَدَّر في صفته حركة ولا سكون ، ولا قعود ولا قيام ، ولا سنة ولا نوم ، ولا ابتداء ولا انتهاء ، إذ هو- جل علاه- وتر ، صمد ، : { . . ليس كمثله شيء . . } وإنه إذا تدبرتم ما سبق هذا الثناء في الآية ذاتها ازددتم يقينا : { فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }{[5501]} فتعالى الله اللطيف الخبير .


[5496]:كالطول يقابله القصر، والعلم يقابله الجهل، والصبر يقابله الجزع.
[5497]:الماضي والآتي، الليل والنهار، ونحوها.
[5498]:العلو والسفل، والأمام والخلف، ونحوها.
[5499]:الشرق يقابله الغرب، والشمال يقابله الجنوب، وهكذا.
[5500]:أكبر وأصغر، أخف وأثقل، ونحوها.
[5501]:سورة الشورى. الآية 11.