في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَـٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ} (14)

وإذ يعرض عليهم نهاية المجرمين ، الذين جاءتهم رسلهم بالبينات فلم يؤمنوا ، فحق عليهم العذاب ، يذكرهم أنهم مستخلفون في مكان هؤلاء الغابرين ، وأنهم مبتلون بهذا الاستخلاف ممتحنون فيما استخلفوا فيه :

( ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ) . .

وهي لمسة قوية للقلب البشري ؛ إذ يدرك أنه مستخلف في ملك أديل من مالكيه الأوائل ، وأجلي عنه أهله الذين سبق لهم أن مكنوا فيه ، وأنه هو بدوره زائل عن هذا الملك ، وإنما هي أيام يقضيها فيه ، ممتحنا بما يكون منه ، مبتلى بهذا الملك ، محاسبا على ما يكسب ، بعد بقاء فيه قليل !

إن هذا التصور الذي ينشئه الإسلام في القلب البشري . . فوق أنه يريه الحقيقة فلا تخدعه عنها الخدع . . يظل يثير فيه يقظة وحساسية وتقوى ، هي صمام الأمن له ، وصمام الأمن للمجتمع الذي يعيش فيه .

إن شعور الإنسان بأنه مبتلى وممتحن بأيامه التي يقضيها على الأرض ، وبكل شيء يملكه ، وبكل متاع يتاح له ، يمنحه مناعة ضد الاغترار والانخداع والغفلة ؛ ويعطيه وقاية من الاستغراق في متاع الحياة الدنيا ، ومن التكالب على هذا المتاع الذي هو مسؤول عنه وممتحن فيه .

وإن شعوره بالرقابة التي تحيط به ، والتي يصورها قول الله سبحانه :

( لننظر كيف تعملون ) . .

ليجعله شديد التوقي ، شديد الحذر ، شديد الرغبة في الإحسان ، وفي النجاة أيضا من هذا الامتحان ! وهذا مفرق الطريق بين التصور الذي ينشئه الإسلام في القلب البشري بمثل هذه اللمسات القوية ؛ والتصورات التي تخرج الرقابة الإلهية والحساب الأخروي من حسابها ! . . فإنه لا يمكن أن يلتقي اثنان أحدهما يعيش بالتصور الإسلامي والآخر يعيش بتلك التصورات القاصرة . . لا يمكن أن يلتقيا في تصور للحياة ، ولا في خلق ، ولا في حركة ؛ كما لا يمكن أن يلتقي نظامان إنسانيان يقوم كل منهما على قاعدة من هاتين القاعدتين اللتين لا تلتقيان !

والحياة في الإسلام حياة متكاملة القواعد والأركان . ويكفي أن نذكر فقط مثل هذه الحقيقة الأساسية في التصور الإسلامي ؛ وما ينشأ عنها من آثار في حركة الفرد والجماعة . وهي من ثم لا يمكن خلطها بحياة تقوم على غير هذه الحقيقة ، ولا بمنتجات هذه الحياة أيضا !

والذين يتصورون أنه من الممكن تطعيم الحياة الإسلامية ، والنظام الإسلامي ، بمنتجات حياة أخرى ونظام آخر ، لا يدركون طبيعة الفوارق الجذرية العميقة بين الأسس التي تقوم عليها الحياة في الإسلام والتي تقوم عليها الحياة في كل نظام بشري من صنع الإنسان !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَـٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ} (14)

{ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ 14 } .

المفردات :

خلائف في الأرض : خلفاء في الأرض بعد إهلاك المكذبين السابقين .

التفسير :

14 { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } .

وهذا خطاب لمن أرسل إليهم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فقد كان من شأن الله وحكمته أن يرسل الرسل وينزل الكتب ، ويعاقب المكذبين جزاء ظلمهم وكفرهم وتكذيبهم للرسل ، ثم خاطب الذين أرسل إليهم محمد صلى الله عليه وسلم بقوله :

{ ثم جعلناكم } . خلفاء في الأرض بعد تلك القرون والأمم التي أهلكنا ؛ لننظر أتعملون خيرا أم شرا ، وننظر طاعتكم لرسولنا وإتباعكم له .

وفي آيات أخرى بين الحق سبحانه : أن الخلافة في الأرض والتمكين فيها ؛ سببه العمل الصالح ، والاستجابة لأمر الله وقوانينه ونواميسه في تمكين العاملين المجتهدين في الخير ، والانتقام من المهملين المتقاعسين عن عمل الخير .

قال تعالى : { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } . ( الأنبياء : 105 ) .

وقال عز شأنه : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم } . ( النور : 55 ) .

والله تعالى يستخلف قوما بعد آخرين ؛ لينظر كيف يعملون خيرا أو شرا .

قال تعالى : { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا } . ( الملك : 2 ) .

وقال عز شأنه : { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا } . ( الكهف : 7 ) .

وجاء في صحيح مسلم : عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن الله مستخلفكم فيها ، فناظر كيف تعملون ؛ فاتقوا الدنيا ، واتقوا النساء ؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء ) . x

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَـٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ} (14)

{ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ } أيها المخاطبون { خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } ، فإن أنتم اعتبرتم واتعظتم بمن قبلكم واتبعتم آيات الله وصدقتم رسله ، نجوتم في الدنيا والآخرة .

وإن فعلتم كفعل الظالمين قبلكم ، أحل بكم ما أحل بهم ، ومن أنذر فقد أعذر .