ثم يعرض السياق مشهدهم ، معجبا منهم ، ومن سرعة زوالهم :
كأن لم يقيموا ويتمتعوا . . وإنه لمشهد مؤثر ، وإنها للمسة مثيرة ، والمشهد معروض ، وما بين الحياة والموت - بعد أن يكون - إلا لمحة كومضة العين ، وإذا الحياة كلها شريط سريع . كأن لم يغنوا فيها . . .
ثم الخاتمة المعهودة في هذه السورة : تسجيل الذنب ، وتشييع اللعنة ، وانطواء الصفحة من الواقع ومن الذكرى :
كان لم يغنوا فيها : كأن لم يسكنوا فيها ، أو كأن لم يقيموا فيها .
68 { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ } .
أي : كأنهم لسرعة هلاكهم ، وعدم بقاء أحد منهم ، لم يقيموا في ديارهم ألبتة .
{ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } .
{ يغنوا فيها } . أي : يقيموا فيها ، يقال : غنى فلان بالمكان ، يغنى ؛ إذا أقام به وعاش فيه في نعمة ورغد . والمعنى : كأن هؤلاء القوم الظالمين ، لم يقيموا في ديارهم عمرا طويلا ، وهم في رخاء من عيشهم .
{ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ } . تتكرر هنا ألا . وهي حرف تنبيه ؛ لتلفت الأنظار إلى ملخص القصة ومغزاها : أن سبب الهلاك هو الكفر بالله وبنعمة الله .
{ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ } . ألا سحقا وهلاكا لثمود الذين كفروا بربهم ، وبعدا وطردا لهم عن رحمة الله ؛ بسبب جحودهم وكفرهم .
لقد طويت صفحة قوم ظالمين ، وعقب القرآن على القصة بهذه الآية ، وهي تشبه الصدى المردود الذي شّيع به قوم هود من قبل ، قال تعالى : { ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود } . ( هود : 60 ) ؛ كأنما يسجل الجبار سبحانه وتعالى في نهاية كل قصة نطق المحكمة الإلهية التي تحكم على المجرمين ، وتضمن حكمها حيثيات الحكم في إيجاز بليغ ، يعقبه صمت رهيب ، لقد كفروا بالله ؛ فاستحقوا عقاب الله ولعنته ، والطرد من رحمته ، وذلك جزاء الظالمين .
وقد ورد في الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على ديار ثمود وهو في طريقه إلى غزوة تبوك ؛ فاستحث راحلته ، وأسرع السير ، وحث قومه على الاعتبار بهم .
{ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا } أي : كأنهم لما جاءهم العذاب ما تمتعوا في ديارهم ، ولا أنسوا بها ولا تنعموا بها يوما من الدهر ، قد فارقهم النعيم ، وتناولهم العذاب السرمدي ، الذي ينقطع ، الذي كأنه لم يزل .
{ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ } أي : جحدوه بعد أن جاءتهم الآية المبصرة ، { أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ } فما أشقاهم وأذلهم ، نستجير بالله من عذاب الدنيا وخزيها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.