في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (56)

50

( إني توكلت على الله ربي وربكم ) . .

ومهما أنكرتم وكذبتم . فهذه الحقيقة قائمة . حقيقة ربوبية الله لي ولكم . فالله الواحد هو ربي وربكم ، لأنه رب الجميع بلا تعدد ولا مشاركة . .

( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) . .

وهي صورة محسوسة للقهر والقدرة تصور القدرة آخذة بناصية كل دابة على هذه الأرض ، بما فيها الدواب من الناس . والناصية أعلى الجبهة . فهو القهر والغلبة والهيمنة ، في صورة حسية تناسب الموقف ، وتناسب غلظة القوم وشدتهم ، وتناسب صلابة أجسامهم وبنيتهم ، وتناسب غلظ حسهم ومشاعرهم . . وإلى جانبها تقرير استقامة السنة الإلهية في اتجاهها الذي لا يحيد :

( إن ربي على صراط مستقيم ) .

فهي القوة والاستقامة والتصميم .

وفي هذه الكلمات القوية الحاسمة ندرك سر ذلك الاستعلاء وسر ذلك التحدي . . إنها ترسم صورة الحقيقة التي يجدها نبي الله هود - عليه السلام - في نفسه من ربه . . إنه يجد هذه الحقيقة واضحة . . إن ربه ورب الخلائق قوي قاهر : ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) . . وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهرا . فما خوفه من هذه الدواب وما احتفاله بها ؛ وهي لا تسلط عليه - إن سلطت - إلا بإذن ربه ؟ وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه ؟

إن هذه الحقيقة التي يجدها صاحب الدعوة في نفسه ، لا تدع في قلبه مجالا للشك في عاقبة أمره ، ولا مجالا للتردد عن المضي في طريقه .

إنها حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب الصفوة المؤمنة أبدا .

وعند هذا الحد من التحدي بقوة الله ، وإبراز هذه القوة في صورتها القاهرة الحاسمة ، يأخذ هود في الإنذار والوعيد :

/خ60

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (56)

53

دابة : كل ما يدب على وجه الأرض .

آخذ بناصيتها : مالك لها ، يصرفها على ما يريد بها ، فلا نفع ولا ضرر إلا بإذنه .

صراط : طريق ، جمعه : صراط ، وأصله : سراط .

مستقيم : على الحق والعدل .

56 { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .

أي : إني اعتمدت على الله خالقي وخالقكم ، وهو المتصرف في كل شيء في هذا الكون ، وما من دابة تدب على وجه الأرض ، إلا والله تعالى مالكها وقاهر لها ، أي : وما أنتم جميعا إلا دواب من هذا الدواب ؛ التي يأخذ ربي بناصيتها ، ويقهرها قهرا كليا إذا شاء ؛ فكيف أخافكم ؟ ! أو أخاف أصنامكم ؟ ! ومعي قوة الإله القادر العادل ، الذي لا يسلط أهل البغي على أهل الحق .

أخوة الرسل

تتواصل دعوات الرسل ، وتتفق في دعوة الناس إلى الحق والإخلاص لله ، وعدم طلب أجر على تبليغ الرسالة ، وعدم الخوف من كثرة الأعداء أو إيذاء الأصنام ؛ لأن الإله الحق هو الله وحده ، انظر إلى قول نوح عليه السلام : { فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ } . ( يونس : 71 ) .

وانظر إلى توجيه الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : { قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون } . ( الأعراف : 195 ) .