في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} (43)

ويعبر السياق هنا مرحلة الخروج ببني إسرائيل من مصر ، وما حدث خلالها من أحداث ، ليعجل بعرض نصيب موسى بعد عرض نصيب فرعون :

( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ، بصائر للناس ، وهدى ورحمة ، لعلهم يتذكرون ) . .

هذا نصيب موسى . وهو نصيب عظيم . وهذه عاقبة موسى . وهي عاقبة كريمة . . كتاب من الله يبصر الناس كأنه بصائرهم التي بها يهتدون ، ( وهدى ورحمة ) . . ( لعلهم يتذكرون ) . . يتذكرون كيف تتدخل يد القدرة بين الطغاة والمستضعفين ، فتختم للطغاة بالهلاك والتدمير ، وتختم للمظلومين بالخير والتمكين .

وهكذا تنتهي قصة موسى وفرعون في هذه السورة . شاهدة بأن الأمن لا يكون إلا في جانب الله . وأن المخافة لا تكون إلا في البعد عن الله . ذلك إلى تدخل يد القدرة سافرة متحدية للطغيان والطغاة ، حين تصبح القوة فتنة يعجز عن صدها الهداة . وهي المعاني التي كانت الجماعة المسلمة الصغيرة المستضعفة في مكة في حاجة إلى الاطمئنان إليها . وكان المشركون المستكبرون في حاجة إلى تدبرها . وهي المعاني المتجددة الدائمة حيثما كانت دعوة إلى الهدى ، وحيثما كان طغيان يقف في وجه الهدى .

وهكذا يجيء القصص في القرآن مادة تربية للنفوس ، وتقرير لحقائق وسنن في الوجود ( لعلهم يتذكرون ) . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} (43)

المفردات :

الكتاب : التوراة .

القرون الأولى : هم أقوام نوح وهود وصالح ولوط وغيرهم .

بصائر للناس : أنوارا لقلوبهم .

التفسير :

43-{ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون } .

لقد كان الحديث طويلا عن قصة موسى وفرعون ، واستأثر فرعون في الآيات السابقة بقسط كبير ، فاتجه السياق إلى الحديث عن نصيب موسى ، وبيان أن الله منّ عليه بالتوراة ، بعد قرون طويلة لم يُرسل فيها رسول ، فتكون حاجة الناس أشد إلى الهداية .

قال تعالى : { لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون } [ يس : 6 ] .

وكأن القرآن-وقد طال الحديث عن عنت فرعون وظلمه ، وعاقبته في الدنيا والآخرة- أراد أن يقدم ميزة لهذا الرسول الصابر موسى عليه السلام .

ومعنى الآية :

لقد أعطينا موسى التوراة بعد هلاك الأمم السابقة ، مثل قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط ، وهذه التوراة جاءت بعد الحاجة إليها ، حيث نزلت على فترة من الرسل ، وبعد مدة زمنية من انقطاع الرسالات .

{ بصائر للناس . . } هداية للقلوب من العمى والغي .

{ وهدى ورحمة . . } وهداية وإرشادا وتشريعا وبيانا للعبادات والمعاملات ، مشتملة على رحمة من الله للعباد ، حيث شرع لهم ما ينفعهم في الدنيا ، ويسعدهم في الآخرة .

{ لعلهم يتذكرون } لعل الناس يتذكرون بهذا الكتاب ويهتدون بسببه .

وذهب ابن كثير إلى أن هذه الآية تفيد أن الله أهلك الأمم السابقة التي كذبت رسولها ، كما أهلك فرعون ومن قبله عقوبة على كفرهم ، وبعد نزول التوراة لم تتدخل السماء بعقوبة لإهلاك الظالمين بل أمر الله المؤمنين بجهاد الكافرين ، كما قال تعالى : { وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة*فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية } [ الحاقة : 9 ، 10 ] .

روى ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن أبي سعيد الخدري قال : ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض ، غير أهل القرية الذين مسخوا قردة بعد موسى ، ثم قرأ { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون }

والمقصود هنا : أن الله أهلك الأمم السابقة عندما كذبت رسلها ، وأهلك فرعون ومن قبله من الجبارين ، ثم أنزل التوراة هداية للناس ، ورحمة بهم ، حيث اشتملت على التشريع والقصاص والآداب ونظام الدين والدنيا ، لعل الناس تتذكر فضل الله ، فتطيع وتسعد في دنياها وأخراها ، وكانت التوراة تمهد وتبشر بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته ، وكذلك الإنجيل ، فهذه الآية كالتمهيد لما يأتي بعدها من سوق الأدلة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم .

قال يحيى بن سلام : التوراة أول كتاب نزلت فيه الفرائض والحدود والأحكام .