تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ} (8)

{ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } أي : مراعون لها ، ضابطون ، حافظون ، حريصون على القيام بها وتنفيذها ، وهذا عام في جميع الأمانات التي هي حق لله ، والتي هي حق للعباد ، قال تعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ } فجميع ما أوجبه الله على عبده أمانة ، على العبد حفظها بالقيام التام بها ، وكذلك يدخل في ذلك أمانات الآدميين ، كأمانات الأموال والأسرار ونحوهما ، فعلى العبد مراعاة الأمرين ، وأداء الأمانتين { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا }

وكذلك العهد ، يشمل العهد الذي بينهم وبين ربهم والذي بينهم وبين العباد ، وهي الالتزامات والعقود ، التي يعقدها العبد ، فعليه مراعاتها والوفاء بها ، ويحرم عليه التفريط فيها وإهمالها .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ} (8)

{ والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون } الأمانات جمع أمانة ، وهي كل ما يتحمله الإنسان من أمر الدين والدنيا . أو هي ما يؤتمن عليه من جهة الحق والخلق ؛ فهي تشتمل على سائر العبادات وغيرها من المأمورات ؛ فإن المرء مؤتمن على كل ذلك . وتتناول الأمانة أيضا كل ما كان تركه داخلا في الخيانة لقوله تعالى : ( لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم ) .

وعلى العموم فإن الأمانة ما يلتزمه المرء من قول ، أو فعل فيلزمه الوفاء به كالودائع والعقود وما يتصل بهما .

أما العهد : فهو في اللغة بمعنى الأمانة واليمين والموثق والذمة والحفاظ والوصية{[3156]} .

والمراد بالعهد : ما عقده المرء على نفسه فيما يقربه إلى ربه . وهو يدخل فيه العقود والأيمان والنذور . على أن الأمانة أعم من العهد . فكل عهد أمانة فيما تقدم من قول أو فعل ، فهو بذلك أخص من الأمانة ، والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلا ، وإن كان العهد أخص من الأمانة .

وجدير ذكره هنا أن هذه صفة خاصة للمؤمنين وهي أنهم يرعون أماناتهم وعهودهم . فلا يخونون الأمانات ، ولا ينقضون العهود والمواثيق ، ولا يفرطون في شيء التزموه قولا أو فعلا . وذلك أن المؤمن وفي وصادق ومؤتمن ؛ فهو لا يغش أو يمكر . ولا يتحيل أو يخادع . وإنما هو صريح ومستقيم وأمين ، ولا يختلف فيه الظاهر عما يخفيه الباطن من مكنون . وهذه هي سجية المؤمنين في الصدق والاستقامة والوضوح ؛ فهم ليسوا كأولئك الذين لا تستوي فيهم الظواهر والبواطن ، وإنما يظهرون بألسنتهم وهيئات سلوكهم حلاوة المظهر وجمال الصورة والسمت ، وهم في الحقيقة يكنون في طبائعهم الغش والباطل كأدعياء الحضارة المادية الكاذبة التي بنيت على الخداع والتدسس والنفاق والمراوغة والميكافيلية .

إن المؤمن صادق مؤتمن لا يخادع ولا يخون ؛ بل يؤدي إلى من ائتمنه ولا يخون من خانه ، ولا ينقض عهد من نقض عهده ، ولا يغدر بمن غدر به .


[3156]:- القاموس المحيط جـ1 ص 331. ومختار الصحاح ص 460.