{ 57-59 } { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا * وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا* وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا }
يخبر تعالى أنه لا أعظم ظلما ، ولا أكبر جرما ، من عبد ذكر بآيات الله وبين له الحق من الباطل ، والهدى من الضلال ، وخوف ورهب ورغب ، فأعرض عنها ، فلم يتذكر بما ذكر به ، ولم يرجع عما كان عليه ، ونسى ما قدمت يداه من الذنوب ، ولم يراقب علام الغيوب ، فهذا أعظم ظلما من المعرض الذي لم تأته آيات الله ولم يذكر بها ، وإن كان ظالما ، فإنه أخف{[492]} ظلما من هذا ، لكون العاصي على بصيرة وعلم ، أعظم ممن ليس كذلك ، ولكن الله تعالى عاقبه بسبب إعراضه عن آياته ، ونسيانه لذنوبه ، ورضاه لنفسه ، حالة الشر مع علمه بها ، أن سد عليه أبواب الهداية بأن جعل على قلبه أكنة ، أي : أغطية محكمة تمنعه أن يفقه الآيات وإن سمعتها ، فليس في إمكانها الفقه الذي يصل إلى القلب ، { وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا } أي : صمما يمنعهم من وصول الآيات ، ومن سماعها على وجه الانتفاع وإذا كانوا بهذه الحالة ، فليس لهدايتهم سبيل ، { وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا } لأن الذي يرجى أن يجيب الداعي للهدى من ليس عالما ، وأما هؤلاء ، الذين أبصروا ثم عموا ، ورأوا طريق الحق فتركوه ، وطريق الضلال فسلكوه ، وعاقبهم الله بإقفال القلوب والطبع عليها ، فليس في هدايتهم حيلة ولا طريق وفي هذه الآية من التخويف لمن ترك الحق بعد علمه ، أن يحال بينهم وبينه ، ولا يتمكن منه بعد ذلك ، ما هو أعظم مرهب وزاجر عن ذلك .
{[46731]}ولما حكي عنهم هذا الجدال ، والاستهزاء والضلال ، وصفهم بما يموجب الخزي فقال - عاطفاً على ما تقديره{[46732]} : فكانوا بذلك أظلم الظالمين : { ومن أظلم } منهم - {[46733]}استفهاماً على سبيل التقرير{[46734]} ، ولكنه أظهر للتنبيه على الوصف الموجب للإنكار على من شك في أنهم أظلم . فقال تعالى : { ممن ذكر } {[46735]}أي من أيّ مذكر كان{[46736]} { بأيات } أي علامات { ربه } المحسن إليه بها ؛ قال الأصبهاني : وهذا من أفصح التقرير أن يوقف الرجل على ما لا جواب له فيه إلا الذي يريد خصمه .
ولما كان التذكير سبباً{[46737]} للإقبال فعكسوا فيه قال تعالى{[46738]} : { فأعرض عنها } تاركاً لما يعرف من تلك العلامات العجيبة{[46739]} وما يوجبه ذلك الإحسان{[46740]} من الشكر { ونسي ما قدمت يداه } من الفساد الذي هو عارف - لو صرف عقله إلى الفكر فيما ينفعه - أن الحكمة تقتضي جزاءه عليه ، وأفرد الضمير في جميع هذا على لفظ { من } إشارة إلى أن من فعل مثل هذا - ولو أنه واحد - كان هكذا ، والأحسن أن يقال : إنهم لما كانوا قد سألوا اليهود عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما أشير إليه عند{[46741]}{ ويسألونك عن الروح{[46742]} }[ الإسراء : 85 ] فأمروهم بسؤاله عما جعلوه أمارة على صدقه ، فلم يؤثر ذلك فيهم ، واستمروا بعد إخباره بالحق على التكذيب ، شرح حالهم بالتعقيب بالفاء ، فكان المعنى : من أظلم منهم ، لأنهم ذكروا فأعرضوا ونسوا ما اعتقدوا أنه دليل الصدق ، وأنه لا جدال بعده ، {[46743]}وسيأتي لموقع الفاء في آخر السجدة مزيد{[46744]} بيان ، وإسناد الفعل في الإعراض وما بعده إليهم حقيقة مما لهم من الكسب كما أن إسناد الجعل وما بعده إلى الله حقيقة بما له من{[46745]} الخلق .
ولما كان كأنه قيل : ما لهم فعلوا ذلك ؟ أيجهل قبح هذا أحد ؟ قيل : { إنا جعلنا } {[46746]}بما لنا من القدرة{[46747]} على إعماء البصائر والأبصار { على قلوبهم } فجمع رجوعاً إلى أسلوب { واتخذوا ءاياتي } لأنه أنص على{[46748]} ذم كل واحد { أكنة{[46749]} } {[46750]}أي أغطية{[46751]} {[46752]}مستعلية عليها استعلاء يدل سياق العظمة على أنه لا يدع شيئاً من الحيز يصل إليها ، فهي لا تعي شيئاً من آياتنا ، ودل بتذكير الضمير على أن المراد بالآيات القرآن فقال تعالى : { أن } أي{[46753]} كراهة أن { يفقهوه } أي يفهموه { وفي ءاذانهم وقراً } أي ثقلاً فهم لا يسمعون حق السمع ، ولا يعون حق الوعي { وإن تدعهم } أي تكرر دعاءهم{[46754]} كل وقت { إلى الهدى } لتنجيهم بما عندك من الحرص على ذلك والجد { فلن يهتدوا } {[46755]}أي كلهم بسبب دعائك{[46756]} { إذاً } أي إذا دعوتهم { أبداً * } لأن من له العظمة التامة - وهو الذي إذا عبر عن نفسه بنونها كانت على حقيقتها - حكم عليهم بالضلال ، أي أنه{[46757]} لا يكون الدعاء وحده هادياً لأكثرهم ، بل لا بد معه من السيف كما سنأمرك به فتقطع الرؤوس فيذل غيرهم{[46758]} ، وقد يكون المراد أن من كان هكذا معانداً على هذا الوجه كان{[46759]} مؤبد الشقاء ، وقد نفى آخر هذه الآية الفعل عن العباد وأثبته لهم أولها ، وقلما تجد في القرآن آية تسند الفعل إليهم إلا قارنتها أخرى تثبته لله وتنفيه عنهم ، ابتلاء من الله لعباده ليتميز الراسخ - الذي ينسب للمكلفين الكسب{[46760]} المفيد لأثر التكليف ، ولله الخلق المفيد لأنه سبحانه لا شريك له في خلق ولا غيره - من الطائش{[46761]} الذي يقول بالجبر{[46762]} أو التفويض .
قوله تعالى : { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا ( 57 ) وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجّل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا ( 58 ) وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا ( 59 ) } أي هل في الناس أحد أشد كفرا وظلما لنفسه ممن وُعظ بآيات الله البينات وما فيها من حجج ساطعة وإعجاز ظاهر بليغ ( فأعرض عنها ) أي أدبر عنها ولم يعبأ بها أيما إعباء ، ولم يبال بها أية مبالاة ؛ بل استهان بها ولم يتدبرها ( ونسي ما قدمت يداه ) أي انشغل عما فعله من المعاصي والخطايا ، وأخذته في ذلك الغفلة ، وسدر تائها في غيه وشهواته فلم يتب ولم يتدبر أو يزدجر .
قوله : ( إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ) أي أغشينا قلوبهم بأغطية وذلك بالختم عليها فهم من الذين طبع الله على قلوبهم ( أن يفقهوه ) أي لئلا يفهموا هذا القرآن ( وفي آذانهم وقرا ) أي جعلنا في آذانهم ثقلا وهو الصمم المعنوي عن الهداية والحق وذلك بسبب نسيانهم وإعراضهم عن آيات الله وعن انشغالهم في الملذات والحطام الزائل . قوله : ( وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا ) أي إن تدع هؤلاء العصاة المعاندين الذي أعرضوا عن آيات الله وعن دينه- إلى الإنابة إلى ربهم وإلى الاستقامة على محجة الإسلام العظيم ؛ فلن يستجيبوا لما دعوتهم إليه ؛ بل هم جامحون في الضلالة والمعصية ، سادرون في اللجاجة والتمرد ؛ لأن الله قد طبع على قلوبهم بسبب كفرهم وجحودهم .