تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ} (3)

{ في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون }

المفردات :

في أدنى الأرض : في أقرب أرضهم من الروم أو من أهل مكة الذين يساق إليهم الحديث .

من بعد غلبهم : من بعد كونهم مغلوبين .

التفسير :

في أقرب أرضهم إلى فارس أو في أقرب أرضهم إلى بلاد العرب ، وهي الأردن وفلسطين .

ولما بلغ الخبر أهل مكة فرحوا بذلك وشمتوا في المسلمين ، وقالوا : أنتم والنصارى أهل كتاب ، ونحن وفارس وثنيون وقد ظهر إخواننا على إخوانكم ولنظهرن عليكم .

فتحدث القرآن الكريم بأن الروم ستعاود الكرة ، وستنتصر على الفرس خلال بضع سنين والبضع من ثلاث إلى تسع سنوات وقد تم ذلك بعد 7 سنوات من هزيمة الروم أمام الفرس ، وانتصر الروم على الفرس وجاءت الأخبار بذلك إلى المسلمين ، بعد عودتهم من صلح الحديبية وتحقق وعد الله وهو سبحانه لا يخلف الميعاد .

وكان أبو بكر الصديق قد اتفق مع أبي ابن خلف على رهان خلاصته أن الروم إذا غلبت الفرس يدفع أبي ابن خلف لأبي بكر بعير ، وإذا غلبت الفرس الروم يدفع أبو بكر لأبي بن خلف مائة بعير .

ومات أبي بن خلف في غزوة أحد فلما تم نصر الروم على الفرس في صلح الحديبية دفع ورثة أبي بن خلف لأبي بكر مائة بعير وجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يتصدق بها وكان ذلك قبل أن ينزل تشريع تحريم الرهان إلا في صور معينة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ} (3)

{ في أَدْنَى الأرض } أي أقربها .

والمراد بالأرض أرض الروم على أن { ءالَ } نائبة مناب الضمير المضاف إليه والأقربية بالنظر إلى أهل مكة لأن الكلام معهم أو المراد بها أرض مكة ونواحيها لأنها الأرض المعهودة عندهم والأقربية بالنظر إلى الروم أو المراد بالأرض أرض الروم لذكرهم والأقربية بالنظر إلى عدوهم أعني فارس لحديث المغلوبية ، وقد جاء من طريق عديدة أن الحرب وقع بين اذرعات وبصري ، وقال ابن عباس . والسدي : بالأردن وفلسطين ، وقال مجاهد : بالجزيرة يعني الجزيرة العمرية لا جزيرة العرب ، وجعل كل قول موافقاً لوجه من الأوجه الثلاثة على الترتيب ، وصحح ابن حجر القول الأول .

وقرأ الكلبي { فِي أدنى الأرض } { وَهُمْ } أي الروم { مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ } أي غلب فارس إياهم على أنه مصدر مضاف إلى مفعوله أو إلى نائب فاعله إن كان مصدراً لمجهول ورجحه بعضهم بموافقته للنظم الجليل .

وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . وابن عمر رضي الله تعالى عنهما . ومعاوية بن قرة { غَلَبِهِمْ } بسكون اللام ، وعن أبي عمرو أنه قرأ { غلابهم } على وزن كتاب والكل مصادر غلب ، والجار والمجرور متعلق بقوله تعالى : { غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } وفي ذلك تأكيد لما يفهم من السين ولكون مغلوبهم من كان غالبهم ، وفي بناء الجملة على الضمير تقوية للحكم أي سيغلبون فارس البتة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ} (3)

نزلت هذه الآيات حين غلب ملك الفرس على بلاد الشام وأقاصي بلاد الروم فاضطر هرقلَ ملك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية وحاصره فيها مدة طويلة ثم عادت الدولة لهرقل كما كانت من قبل . وفي هذا الصدد روى الإمام أحمد عن ابن عباس – رضي الله عنهما- في قوله تعالى : { الم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ } قال : غُلبت وغَلَبت ، قال : كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم ؛ لأنهم أصحاب أوثان . وكان المسلمون يحبون أن تظهر الرم على فارس ؛ لأنهم أهل الكتاب . فذكر ذلك لأبي بكر فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما أنهم سيغلبون " فذكره أبو بكر لهم . فقالوا : اجعل بيننا وبينك أجلا ؛ فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا ، فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ألا جعلتها إلى دون – أراه قال : لعشر " والبضع ما دون العشر . ثم ظهرت الروم بعد . فذلك قوله : { الم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } {[3587]} . غَلَب ، مصدر مضاف إلى المفعول . وتقديره : وهم من بعد أن غُلبوا سيغلبون{[3588]}

وفي هذا الإخبار دليل على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الروم غلبتها فارس فأخبر الله نبيه أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين وسوف يفرح المؤمنون حينئذ بنصر الله للروم لأنهم أهل كتاب . وهذا من علم الغيب الذي أخبر الله به مما لم يعلمه الناس وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يراه المشركين على ذلك ، وأن يزيد في الرهان ثم حرّم الرهان بعد ذلك ونسخ بتحريم القمار .


[3587]:تفسير ابن كثير ج 3 ص 422، وأسباب النزول للنيسابوري ص 312.
[3588]:البيان لابن الأنباري ج 2 ص 548.