5 ، 6 ، 7 - وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ .
العادون : المبالغون في العدوان ومجاوزة الحدود الشرعية .
ومن صفات المؤمنين العفة والاستقامة ، والبعد عن الزنا واللواطة ، وفي الحديث الشريف : ( من يضمن ما بين لحييه ورجليه أضمن له الجنة )vi .
فالمؤمن يحفظ فرجه عن الحرام ، وكذلك المؤمنة ، والتسامي بالغرائز ، والبعد عن الشهوات ؛ أمر دعا إليه القرآن الكريم ، وحث عليه الرسول الأمين ، قال تعالى : وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ . . . ( النور : 33 ) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( ما ظهرت الفاحشة في قوم يتعامل بها علانية : إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن فيمن قبلهم )vii .
وقال عليه الصلاة والسلام : ( يا معشر الناس ، اتقوا الزنا ، فإن فيه ست خصال ، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة ، أما التي في الدنيا : فيورث الفقر ، ويذهب البهاء ، وينقص العمر ، وأما التي في الآخرة : فسخط الله ، وسوء الحساب ، وعذاب النار ) .
وقد أحل الله الزواج وحث عليه ، قال تعالى : وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . ( النور : 32 ) .
وحرم الله الزنا ونهى عنه ، قال تعالى : وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً . ( الإسراء : 32 ) .
وقال تعالى : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ . ( النور : 2 ) .
والآيات 5 – 7 من سورة ( المؤمنون ) ترسم طريقا للعفة والاستقامة ، والمتعة الحلال ؛ فالمؤمنون يحفظون فروجهم ، وهو كناية عن ستر الفرج وعدم كشف العورة ، وكناية عن البعد عن الزنا واللواطة وكل جماع محرم .
لكن يباح للمؤمن جماع زوجته ، كما يباح للمؤمنة جماع زوجها ، وهذا أمر معروف ، وفي الأثر : ( احفظ فرجك إلا عن زوجتك )viii .
وملك اليمين : هي الجارية التي تسبى في قتال بين المسلمين والمشركين ، وكان الفرس والروم يعاملون المسلمين بمثل ذلك ، وجاء الإسلام والرق نهر يجري ، فضيق الإسلام منابعه ، ووسع مصباته ، حتى يجف ذلك النهر ؛ فحرم الاسترقاق للأحرار ، وحرم خطف الأطفال ، وحرم جميع أنواع الاسترقاق ، إلا لأسرى الحرب ، معاملة بالمثل ، وحث الإسلام على عتق الرقاب ، وتحرير الأرقاء ، وجعل تحرير الأرقاء كفارة عن كثير من المخالفات .
قال تعالى : فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فك رقبة . ( البلد : 11 – 13 ) .
وقال تعالى : لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ . . . ( المائدة : 89 ) .
1 . من صفات المؤمنين الاستقامة والعفة .
2 . يباح للمسلم الزواج وجماع زوجته الحلال .
3 . يباح للرجل الاستمتاع بالجارية التي يملكها ، فإذا أنجبت منه صارت أم ولد ، ولا يباح بيعها ، وتعتق إذا مات مالكها .
4 . المجتمع الإسلامي مجتمع نظيف ، ملتزم بما أحل الله ، مبتعد عما حرم الله .
5 . من وقع في الزنا أو اللواط ؛ صار معتديا على أعراض الآخرين ، مستحقا للعقوبة في الدنيا والعذاب في الآخرة .
6 . الاستمتاع بالإماء خاص بالرجال ، فلا يباح للمرأة الاستمتاع بالبعد بالإجماع ، لأنه مملوك لها ، وليس مالكا فهي قوامة عليه ، بخلاف استمتاع السيد بأمته ، فإنه مالك لها وقوام عليها .
في الآيات 1 – 11 من سورة ( المؤمنون ) تسع مسائل .
قوله تعالى : فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ . فسمى من نكح ما لا يحل عاديا ، وأوجب عليه الحد لعدوانه . . .
والإجماع منعقد على أن قوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ . خص به الرجال دون النساء ؛ فقد روى معمر ، عن قتادة قال : تسررت امرأة غلامها ix فذكر ذلك لعمر فسألها : ما حملك على ذلك ؟ قالت : كنت أراه يحل لي بملك يميني ، كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين ، فاستشار عمر في رجمها ، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالوا : تأولت كتاب الله على غير تأويله ، فلا رجم عليها ، فقال عمر : لا جرم ، والله لا أحلك لحر بعدها أبدا . عاقبها بذلك ، ودرأ الحد عنها ، وأمر العبد ألا يقربها .
وعن أبي بكر بن عبد الله أنه سمع أباه يقول : أنا حضرت عمر بن عبد العزيز ، حين جاءته امرأة بغلام لها وضئ ، فقالت : إني استسررته : فمنعني بنو عمى من ذلك ، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها ؛ فانه عني بني عمي ، فقال عمر : أتزوجت قبله ؟ قالت : نعم . فقال : أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة ، ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها .
{ والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } وصف لهم بالعفة وهو وإن استدعاه وصفهم بالإعراض عن اللغو إلا أنه جيء به اعتناء بشأنه ، ويجوز أن يقال : إن ما تقدم وإن استدعى وصفهم بأصل العفة لكن جيء بهذا لما فيه من الإيذان بأن قوتهم الشهوية داعية لهم إلى ما لا يخفى وأنهم حافظون لها عن استيفاء مقتضاها وبذلك يتحقق كمال العفة ، واللام للتقوية كما مر في نظيره ، و { على } متعلق يحافظون لتضمينه معنى ممسكون على ما اختاره أبو حيان والإمساك يتعدى بعلى كما في قوله تعالى : { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } [ الأحزاب : 37 ] وذهب جمع إلى اعتبار معنى النفي المفهوم من الإمساك ليصح التفريغ فكأنه قيل حافظون فروجهم لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم ، وقال بعضهم : لا يلزم ذلك لصحة العموم هنا فيصح التفريغ في الإيجاب . وفي «الكشف » الوجه أن يقال : ما في الآية من قبيل حفظت على الصبي ماله إذا ضبطه مقصوراً عليه لا يتعداه ، والأصل حافظون فروجهم على الأزواج لا تتعداهن ثم قيل غير حافظين إلا على الأزواج تأكيداً على تأكيد ، وعلى هذا تضمين معنى النفي الذي ذكره الزمخشري من السياق واستدعاء الاستثناء المفرغ ذلك ولم يؤخذ مما في الحفظ من معنى المنع والإمساك لأن حرف الاستعلاء يمنعه انتهى وفيه ما فيه .
ويا ليت شعري كيف عد حرف الاستعلاء مانعاً عن ذلك مع أن كون الإمساك مما يتعدى به أمر شائع ، وقال الفراء . وتبعن ابن مالك . وغيره : إن { على } هنا بمعنى من أي إلا من أزواجهم كما أن من بمعنى على في قوله تعالى : { ونصرناه مِنَ القوم } [ الأنبياء : 77 ] أي على القوم ، وقيل هي متعلقة بمحذوف وقع حالاً من ضمير { حافظون } والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي حافظون لفروجهم في جميع الأحوال إلا حال كونهم والين وقوامين على أزواجهم من قولك : كان فلان على فلانة فمات عنها ، ومنه قولهم : فلانة تحت فلان ولذا سميت المرأة فراشاً أو متعلقة بمحذوف يدل علي { غَيْرُ مَلُومِينَ } كأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم أي يلامون على كل مباشر إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه ، وكلا الوجهين ذكرهما الزمخشري .
واعترض بأنهما متكلفان ظاهراً فيهما العجمة ، وأورد على الأخير أن إثبات اللوم لهم في أثناء المدح غير مناسب مع أنه لا يختص بهم ، وكون ذلك على فرض عصيانهم وهو مثل قوله تعالى : { فَمَنِ ابتغى } [ المؤمنون : 7 ] الخ لا يدفعه كما توهم ؛ ولا يجوز أن تتعلق بملومين المذكور بعد لما قال أبو البقاء من أن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها وأن المضاف إليه لا يعمل فيما قبله .
والمراد مما ملكت أيمانهم السريات ، والتخصيص بذلك للإجماع على عدم حل وطء المملوك الذكر ، والتعبير عنهم بما على القول باختصاصها بغير العقلاء لأنهن يشبهن السلع بيعاً وشراءً أو لأنهن لأنوثتهن المنبئة عن قلة عقولهن جاريات مجرى غير العقلاء ، وهذا ظاهر فيما إذا كن من الجركس أو الروم أو نحوهم فكيف إذا كن من الزنج والحبش وسائر السودان فلعمري إنهن حينئذٍ إن لم يكن من نوع البهائم فما نوع البهائم منهن ببعيد ، والآية خاصة بالرجال فإن التسري للنساء لا يجوز بالإجماع ، وعن قتادة قال تسرت امرأة غلاماً فذكرت لعمر رضي الله تعالى عنه فسألها ما حملك على هذا ؟ فقالت : كنت أرى أنه يحل لي ما يحل للرجال من ملك اليمين فاستشار عمر فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : تأولت كتاب الله تعالى على غير تأويله فقال رضي الله تعالى عنه : لا جرم لا أحلك لحر بعده أبداً كأنه عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها وأمر العبد أن لا يقربها ، ولو كانت المرأة متزوجة بعبد فملكته فاعتقته حالة الملك انفسخ النكاح عند فقهاء الأمصار .
وقال النخعي . والشعبي . وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة : يبقيان على نكاحهما { فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } تعليل لما يفيده الاستثناء من عدم حفظ فروجهم من المذكورات أي فإنهم غير ملومين على ترك حفظها منهن .
وقيل الفاء في جواب شرط مقدر أي فإن بذلوا فروجهم لأزواجهم أو إمائهم فإنهم غير ملومين على ذلك ، والمراد بيان جنس ما يحل وطؤه في الجملة وإلا فقد قالوا : يحرم وطء الحائض والأمة إذا زوجت والمظاهر منها حتى يكفر وهذا مجمع عليه .
وفي الجمع بين الاختين من ملك اليمين وبين المملوكة وعمتها أو خالتها خلاف على ما في «البحر » ، وذكر الآمدي في الأحكام أن علياً كرم الله تعالى وجهه احتج على جواز الجمع بين الاختين في الملك بقوله تعالى : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } .