تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (56)

53

دابة : كل ما يدب على وجه الأرض .

آخذ بناصيتها : مالك لها ، يصرفها على ما يريد بها ، فلا نفع ولا ضرر إلا بإذنه .

صراط : طريق ، جمعه : صراط ، وأصله : سراط .

مستقيم : على الحق والعدل .

56 { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .

أي : إني اعتمدت على الله خالقي وخالقكم ، وهو المتصرف في كل شيء في هذا الكون ، وما من دابة تدب على وجه الأرض ، إلا والله تعالى مالكها وقاهر لها ، أي : وما أنتم جميعا إلا دواب من هذا الدواب ؛ التي يأخذ ربي بناصيتها ، ويقهرها قهرا كليا إذا شاء ؛ فكيف أخافكم ؟ ! أو أخاف أصنامكم ؟ ! ومعي قوة الإله القادر العادل ، الذي لا يسلط أهل البغي على أهل الحق .

أخوة الرسل

تتواصل دعوات الرسل ، وتتفق في دعوة الناس إلى الحق والإخلاص لله ، وعدم طلب أجر على تبليغ الرسالة ، وعدم الخوف من كثرة الأعداء أو إيذاء الأصنام ؛ لأن الإله الحق هو الله وحده ، انظر إلى قول نوح عليه السلام : { فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ } . ( يونس : 71 ) .

وانظر إلى توجيه الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : { قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون } . ( الأعراف : 195 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (56)

فكأنه{[39479]} قيل : هب أن آلهتنا لا شيء ، فما حملك على الاجتراء على مخالفتنا نحن وأنت تعلم كثرتنا وقوتنا وأنت لا تزيد على أن تكون{[39480]} واحداً منا فقال : { إني } أي جسرت{[39481]} على ذلك لأني { توكلت } معتمداً{[39482]} { على الله } الملك المرهوب عقابه الذي لا ملك سواه ولا رب غيره ؛ وبين إحاطة ملكه بقوله : { ربي وربكم } أي الذي أوجدنا ودبر أمورنا قبل أن يخلقنا{[39483]} فعلم ما يعمل{[39484]} كل منا في حق الآخرة لأنه { ما من دابة } أي صغرت أو كبرت { إلا هو آخذ } أي أخذ قهر{[39485]} وغلبة { بناصيتها } أي قادر عليها ، وقد صار الأخذ بالناصية عرفاً في القدرة ، لأن الكل جارون{[39486]} مع مراده لا مع مرادهم بل لا ينفك أحد عن كراهة لبعض ما هو فيه فدل ذلك قطعاً على أنه بغير مراده وإنما هو بمراد قاهر قهره على ذلك وهو الملك الأعلى سبحانه ؛ والناصية : شعر{[39487]} مقدم الرأس ، ومن{[39488]} أخذ بناصيته فقد انقاد لأخذه لا يستطيع ميلاً { إن } أي لأن { ربي } أي المحسن إليّ بما أقامني فيه { على صراط } أي طريق واسع بين { مستقيم* } ظاهر أمره لكل أحد لا لبس فيه أصلاً ولا خلل ولا اضطراب ولا اعوجاج{[39489]} بوجه ، فلذلك كان كل من في الكون يتألهه ويدعو ويخافه{[39490]} ويرجوه وإن اتخذ بعضهم من دونه شركاء ، وأما ما يعبد من دونه فلا يعظمه إلا عابده ، وأما غير عابده فإنه لا يقيم له وزناً ؛ فصح بهذا أنه غالب على كل شيء غلبة{[39491]} يعلمها كل موجود من غير خفاء أصلاً ، فهو مرجو مرهوب بإجماع العقلاء بخلاف معبوداتكم ، والحاصل أنه يلزم الصراط{[39492]} المستقيم الظهور ، فيلزم عدم الاختلاف لانتفاء اللبس ، فمن كان عليه كان عليّ{[39493]} القدر شهير الأمر ، بصيراً بما يريد ، مع الثبات والتمكن ، مرهوب العاقبة ، مقصوداً بالاتباع والمحبة ، من لم يقبل إليه ضل ، ومن أعرض عنه أخذ لكثرة أعوانه وعز سلطانه ، فظهرت قدرته على عصمة من يتوكل عليه وعجز معبوداتهم معهم ، لأن نواصي الكل بيده وهو ربها وربهم ورب كل شيء ، فقد انطبق ختام الآية على قولهم { ما جئتنا ببينة } رداً له لأن من كان على صراط مستقيم لم يكن شيء أبين من أمره ، وعلى جوابه في توكله وما في حيزه أتم انطباق ؛ والناصية : مقدم الشعر من الرأس ، و{[39494]} أصلها الاتصال{[39495]} من قولهم : مفازة تناصي مفازة - إذا كانت متصلة بها .


[39479]:في ظ: فكان.
[39480]:من ظ ومد، وفي الأصل: يكون.
[39481]:من ظ ومد، وفي الأصل: حرب.
[39482]:في مد: متعمدا.
[39483]:من مد، وفي الأصل: نخلقها، وفي ظ: يخلقها.
[39484]:في ظ: يعلم.
[39485]:من ظ ومد، وفي الأصل: قهرا.
[39486]:في ظ: جبارون.
[39487]:من ظ ومد، وفي الأصل: صفة.
[39488]:من ظ ومد، وفي الأصل: ممن.
[39489]:في ظ: عوج.
[39490]:في ظ: يخالفه.
[39491]:زيد من ظ ومد.
[39492]:سقط من مد.
[39493]:سقط من ظ.
[39494]:سقط ما بين الرقمين من ظ ومد.
[39495]:في ظ ومد: الإيصال.