تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡيَةٖ كَانَتۡ ظَالِمَةٗ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ} (11)

{ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ ( 11 ) فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ( 12 ) لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ( 13 ) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ( 14 ) فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ( 15 ) } .

11

التفسير :

11 - وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ .

كم : لفظ يفيد : تكثير وقوع ما بعدها .

القصم : هو الكسر بتفريق الأجزاء ، وإذهاب التئامها .

لقد أهلكنا كثيرا من القرى الظالمة ، التي كذبت الرسل واستهزأت بهم ، فدمر الله قرى الكافرين ، مثل : عاد وثمود وفرعون وأشباههم ، والتدمير يعم الناس والمنازل وسائر المكان ، وتصوِّر الآية شدة بطش الله بالظالمين ، فالتعبير بكلمة قصمنا تفيد : الفناء الكامل ، حيث إن القصم ( بالقاف ) يفيد : تفكيك الأجزاء وامتناع التئامها .

بخلاف الفصم ( بالفاء ) لأنه يفيد : التصدع ، وإمكانية الالتئام .

وحين تحدثت الآية عن الإهلاك جعلته للقرية ، كأن الإهلاك أصاب الأشخاص والأماكن وسائر الممتلكات والمنشآت ، أما عند الحديث عن الإنشاء والتعويض بالآخرين ، نسبه الله للأشخاص ، فيبدأ الله بهم ، ثم يعمرون المكان .

وفي معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة ، تفيد : هلاك الظالمين المفسدين ، فذلك ناموس الله في إزهاق الباطل وإحقاق الحق ، قال تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا . ( الإسراء : 17 ) .

وقال تعالى : فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا . . . ( الحج : 45 ) .

وقال عز شأنه : وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ . ( النحل : 112 ) .

وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ .

أي : أمة أخرى بعدهم ، فالله قد خلق الإنسان لعمارة الأرض ، فإذا أفسد وكذّب وأترف ؛ أهلكه الله ، وأنشأ أمة أخرى مكان الهالكين ، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى : وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ . ( محمد : 38 ) . ويقول عز شأنه متحدثا عن هلاك فرعون وقومه : كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ *وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ . ( الدخان : 25 – 28 ) .

أي : عندما هلك فرعون ؛ انتقلت ملكية النعيم إلى قوم آخرين ، كأنه ميراث ملكوه ، كما يملك الابن الميراث عن أبيه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡيَةٖ كَانَتۡ ظَالِمَةٗ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ} (11)

قوله تعالى : " وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة " يريد مدائن كانت باليمن . وقال أهل التفسير والأخبار : إنه أراد أهل حضور{[11229]} وكان بعث إليهم نبي اسمه شعيب بن ذي مهدم ، وقبر شعيب هذا باليمن بجبل يقال له : ضنن{[11230]} كثير الثلج ، وليس بشعيب صاحب مدين ؛ لأن قصة حضور قبل مدة عيسى عليه السلام ، وبعد مئين من السنين من مدة سليمان عليه السلام ، وأنهم قتلوا نبيهم وقتل أصحاب الرسول في ذلك التاريخ نبيا لهم اسمه حنظلة بن صفوان ، وكانت حضور بأرض الحجاز من ناحية الشام ، فأوحى الله إلى أرميا : أن ايت بختنصر فأعلمه أني قد سلطته على أرض العرب وأني منتقم بك منهم ، وأوحى الله إلى أرميا أن احمل معد بن عدنان على البراق إلى أرض العراق ، كي لا تصيبه النقمة والبلاء معهم ، فإني مستخرج من صلبه نبيا في آخر الزمان اسمه محمد ، فحمل معدا وهو ابن اثنتا عشرة سنة ، فكان مع بني إسرائيل إلى أن كبر وتزوج امرأة اسمها معانة ، ثم إن بختنصر نهض بالجيوش ، وكمن للعرب في مكان - وهو أول من اتخذ المكامن فيما ذكروا - ثم شن الغارات على حَضُور فقتل وسبى وخرب العامر ، ولم يترك بحضور أثرا ، ثم نصرف راجعا إلى السواد . و " كم " في موضع نصب ب " قصمنا " . والقصم الكسر ، يقال : قصمت ظهر فلان وانقصمت سنه إذا انكسرت والمعني به ههنا الإهلاك . وأما الفصم ( بالفاء ) فهو الصدع في الشيء من غير بينونة ، قال الشاعر{[11231]} :

كأنهُ دُمْلُجٌ من فِضَّةٍ نَبَهٌ *** في مَلْعَبٍ من عَذَارَى الحَيِّ مَفْصُومُ

ومنه الحديث ( فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا ) . وقوله : " كان ظالمة " أي كافرة ، يعني أهلها . والظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وهم وضعوا الكفر موضع الإيمان .

قوله تعالى : " وأنشأنا " أي أوجدنا وأحدثنا بعد إهلاكهم .


[11229]:وتروى حضوراء (بالألف الممدودة) وفي ح الجمل بوزن شكور.
[11230]:كذا في الأصول: إلاب ففيه ضثن كثير الملح، صححه في الهامش.
[11231]:هو ذو الرمة، يذكر غزالا شبهه وهو نائم بدملج فضة قد طرح ونسي. ونبه: أي منسي نسيته العذارى في الملعب.