تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (149)

المفردات :

سقط في أيديهم : ندموا ندما شديدا لأن النادم يعض يده ويسقط ذقنه فيها غمّا فتصير يده مسقوطا فيها .

التفسير :

{ 149 – ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين } .

أي : ولما اشتد ندمهم ، وزادت على ما فرط منهم في جنب الله ، وعلموا أنهم قد ضلوا ضلالا مبينا بعبادة العجل ، وزجر هارون والرغبة في قتله ، عندئذ ندموا ورغبوا في التوبة ، والتضرع والابتهال إلى الله وقالوا : لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين .

وكان ذلك بعد رجوع موسى إليهم ، وبصرهم بما هم فيه من ضلال مبين ، بدليل أنه لما نصحهم هارون بترك عبادة العجل قالوا :

{ لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى } .

وقد جاءت هذه الآية – معترضة – قبل ختام القصة ؛ لتكون بمثابة التوجيه إلى أهل مكة ، بأن بني إسرائيل ندموا على عبادة العجل ، فأولى بكم أن تندموا على عبادة الأصنام ، التي لا تسمع ولا ترشد إلى الهدى .

تعقيب

عبر سبحانه وتعالى عن شدة ندمهم بقوله تعالى :

{ ولما سقط في أيديهم } : لأن من شأن من اشتد ندمه وحسرته ، أن يعض يده غمّا ، فتصير يده مسقوطا فيها ؛ لأن فاه قد وقع فيها .

" وهذا تعبير لم يسمع به قبل القرآن ولا عرفته العرب ، وقد اتسع هذا التعبير فأصبح يطلق على كل فشل أو خيبة ، تقول : كلام ساقط و " سقط " لأنهم شبهوه بما لا يحتاج إليه .

وقد ذكر اليد ؛ لأن الندم يحدث في القلب وأثره يظهر في اليد قال تعالى : { فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها } " 29 .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (149)

قوله تعالى : " ولما سقط في أيديهم " أي بعد عود موسى من الميقات . يقال للنادم المتحير : قد سقط في يده . قال الأخفش : يقال سقط في يده ، وأسقط . ومن قال : سقط في أيديهم على بناء الفاعل ، فالمعنى عنده : سقط الندم . قاله الأزهري والنحاس وغيرهما . والندم يكون في القلب ، ولكنه ذكر اليد لأنه يقال لمن تحصل على شيء : قد حصل في يده أمر كذا ؛ لأن مباشرة الأشياء في الغالب باليد . قال الله تعالى : " ذلك بما قدمت يداك{[7371]} " [ الحج : 10 ] . وأيضا : الندم وإن حل في القلب فأثره يظهر في البدن ؛ لأن النادم يعض يده ، ويضرب إحدى يديه على الأخرى ؛ وقال الله تعالى : " فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها{[7372]} " [ الكهف : 42 ] أي ندم . " ويوم يعض الظالم على يديه{[7373]} " [ الفرقان : 27 ] أي من الندم . والنادم يضع ذقنه في يده . وقيل : أصله من الاستئسار ، وهو أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه فيرمي به من يديه إلى الأرض ليأسره أو يكتفه ، فالمرمي مسقوط به في يد الساقط . " ورأوا أنهم قد ضلوا " أي انقلبوا{[7374]} بمعصية الله . " قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين " أخذوا في الإقرار بالعبودية والاستغفار . وقرأ حمزة والكسائي : " لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا " بالتاء على الخطاب . وفيه معنى الاستغاثة والتضرع والابتهال في السؤال والدعاء . " ربنا " بالنصب على حذف النداء . وهو أيضا أبلغ في الدعاء والخضوع . فقراءتهما أبلغ في الاستكانة والتضرع ، فهي أولى .


[7371]:راجع ج 12 ص 15.
[7372]:راجع ج 10 ص 409.
[7373]:راجع ج 13 ص 25
[7374]:في ب و ى: ابتلوا.