82- { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } .
قال الفخر الرازي : ولفضه من هنا ليس للتبعيض بل هي للجنس ، كقوله تعالى : { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } .
والمعنى : وننزل من هذا الجنس الذي هو قرآن ما هو شفاء ، فجميع القرآن شفاء للمؤمنين{[475]} .
واختلف أهل العلم في معنى كونه شفاء على قولين :
الأول : أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها ، وذهاب الريب وكشف الغطاء على الأمور الدالة على الله سبحانه .
الثاني : أنه شفاء من الأمراض الظاهرة ، بالرقي والتعود ونحو ذلك ، والتبرك بقراءته يدفع كثيرا من الأدواء والأسقام ، يدل عليه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في فاتحة الكتاب : ( وما يدريك أنها رقية ؟ ! ){[476]} .
ولا مانع من حمل الشفاء على معنيين من باب عموم المجاز أو من باب حمل المشترك على معنييه{[477]} . { ورحمة للمؤمنين } .
أي : يذهب أمراض القلوب ، من شك ، ونفاق ، وشرك ، وزيغ ، وميل ، فالقرآن يشفي من ذلك كله ، وهو أيضا رحمة يحصل فيها الإيمان ، والحكمة ، وطلب الخير ، والرغبة فيه{[478]} .
{ رحمة للمؤمنين } ؛ لما فيه من العلوم النافعة المشتملة على ما فيه صلاح الدنيا والدين ، ولما في تلاوته وتدبره من الأجر العظيم ، الذي يكون سببا لرحمة الله سبحانه ، ومغفرته ورضوانه{[479]} .
{ ورحمة للمؤمنين } ؛ لأن المؤمنين يعملون بما فيه من فرائض الله ، ويحلون حلاله ويحرمون حرامه ، فيدخلهم بذلك الجنة وينجيهم من عذابه ، فهو لهم رحمة ونعمة من الله أنعم بها عليهم .
{ ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } ؛ لأن البدن غير النقي كلما غذوته ؛ زدته شرا ، فلا يزال سماع القرآن يزيد المشركين غيظا وحنقا ، ويدعوهم ذلك إلى ارتكاب الأعمال القبيحة{[480]} .
فالظالمون قد ظلموا أنفسهم ، وأعرضوا عن الهدى ، وكلما سمعوا القرآن ؛ ازدادوا بغيا وعنادا وكبرا قال تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا . . . } ( النمل : 14 ) .
وجزاء عنادهم وبغيهم ، طبع الله على قلوبهم ، وهم في الدنيا محرومون من هدى القرآن ، فهم خاسرون . وفي الآخرة معذبون بكفرهم ولجاجهم في الطغيان ، فهم خاسرون .
قال تعالى : { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد } . ( فصلت : 44 ) .
وقال سبحانه : { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون . وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون } . ( التوبة : 125 ، 124 ) .
قال قتادة : في قوله تعالى : { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة } إذا سمعه المؤمن ؛ انتفع به وحفظه ووعاه { ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } . أي : لا ينتفعون به ، ولا يحفظونه ولا يعونه ، فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين . 1 ه .
1- في تفسير الفخر الرازي تفسير مسهب لهذه الآية خلاصته : أن القرآن شفاء من الأمراض الروحانية وشفاء أيضا من الأمراض الجسمانية .
2- قال الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) في بحث الأدوية والأغذية المفردة التي جاءت على لسانه صلى الله عليه وسلم في حرف القاف ( قرآن ) : قال الله تعالى : { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } . والصحيح أن من ههنا لبيان الجنس ، لا للتبعيض ، وقال تعالى : { يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور } ؛ فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية ، وأدواء الدنيا والآخرة ، وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به ، وإذا أحسن العليل التداوي به ووضعه على دائه ، بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم ، واستيفاء شروطه ؛ لم يقاومه الداء أبدا . وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء ، الذي لو أنزل على الجبال لصدعها ، أو على الأرض لقطعها ؟ ! فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان ، إلا وفي القرآن سبيل للدلالة على دوائه ، وسببه والحمية منه ، لمن رزقه الله فهما في كتابه . . وقد علم أن الأرواح متى قويت ، وقويت النفس والطبيعة ؛ تعاونا على دفع الداء وقهره .
وقد أسهب ابن القيم أيضا في كتاب ( إغاثة اللهفان ) في بيان تضمن القرآن لأدوية القلب ، وعلاجه من جميع أمراضه .
{ وقوله : 82 } { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا }
فالقرآن مشتمل على الشفاء والرحمة ، وليس ذلك لكل أحد ، وإنما ذلك للمؤمنين به ، المصدقين بآياته ، العاملين به ، وأما الظالمون بعدم التصديق به أو عدم العمل به ، فلا تزيدهم آياته إلا خسارًا ، إذ به تقوم عليهم الحجة ، فالشفاء الذي تضمنه القرآن عام لشفاء القلوب ، من الشبه ، والجهالة ، والآراء الفاسدة ، والانحراف السيئ ، والقصود السيئة{[477]}
فإنه مشتمل على العلم اليقيني ، الذي تزول به كل شبهة وجهالة ، والوعظ والتذكير ، الذي يزول به كل شهوة تخالف أمر الله ، ولشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها .
وأما الرحمة ، فإن ما فيه من الأسباب والوسائل التي يحث عليها ، متى فعلها العبد فاز بالرحمة والسعادة الأبدية ، والثواب العاجل والآجل .
{ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً ( 82 ) }
وننزل من آيات القرآن العظيم ما يشفي القلوب مِنَ الأمراض ، كالشك والنفاق والجهالة ، وما يشفي الأبدان برُقْيتها به ، وما يكون سببًا للفوز برحمة الله بما فيه من الإيمان ، ولا يزيد هذا القرآن الكفار عند سماعه إلا كفرًا وضلالا ؛ لتكذيبهم به وعدم إيمانهم .
قوله تعالى : { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } ( من ) ، ليست للتبعيض بل هي للجنس ؛ أي وننزل من هذا الجنس الذي هو قرآن ما هو شفاء ؛ فجميع القرآن شفاء للمؤمنين .
والقرآن شفاء للبشرية بما حواه من المعاني والأحكام والتصورات والعبر ؛ فكل ذلك مزيل للشبهات والشكوك والعلل التي تنتاب العقول فتشينها شينا وتسكب فيها ألوانا من ضلالات الفكر الباطل ، والمعارف الكاذبة المفتراة التي تعلن الحرب على منهج الله في اجتراء لئيم ووقح ، فلا يروق لها بذلك إلا أن تكيد لدين الله كيدا .
إن القرآن شفاء لهذه العقول من كل ضلالات ومفاسدها وانحرافاتها ، والقرآن شفاء للبشرية من كل الأدران والأوضار التي تأتي على النفس فتسومها المرض والعطب وكل ألوان الزيغ والشذوذ ، وتلكم أمراض بغيضة وممضة ومختلفة تصيب النفس البشرية فتثير فيها ألوانا شتى من الأسقام كالقلق والكمد والاغتمام والهلع والإحساس المستديم بالضيق والكآبة . إلى غير ذلك من صور الأمراض النفسية التي تكابدها البشرية في كل العصور .
لكن القرآن بعقيدته الراسخة السمحة ، ومعانيه الكريمة الشفيفة وتشريعه الشامل المتكامل ، يبدد كل ألوان المرض بكل صوره وأشكاله ، سواء في ذلك ما أصاب الذهن أو الجهاز النفسي والروحي للإنسان . إن القرآن بمعانيه المعجزة الفذة شفاء للإنسان من كل هاتيك الأسقام والعلل التي تقضّ الأفراد والمجتمعات قضّاً والتي تسوم الإنسان الأوجاع والآلام .
وكذلك فإن القرآن رحمة للمؤمنين ؛ لأنهم يتبعون أحكامه فيحلون حلاله ويحرمون حرامه ، ويهتدون بنوره الساطع المشعشع ، ويستلهمون من عقيدته ومعانيه الإيمان والهداية والتوفيق ، فيتجلى في طبائعهم وسماتهم وسلوكهم كل معالم الخير من حميد الخصال وعظيم الخلال وحسن الأعمال والأفعال . وبذلك تستقيم أحوال الفرد والجماعة فتنعم البشرية بنعيم الأمن والاستقرار والمودة والتعارف . وتترسخ في الدنيا ظواهر العدل والرحمة والتعاون والفضيلة .
قوله : ( ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) لا يزداد الكافرون بسماع القرآن إلا هلاكا فوق هلاكهم ؛ لأنهم كلما سمعوا بشيء منه جديد كذبوا وجحدوا فازدادوا بذلك إيغالا في الخسران ، والتعس والرجس{[2733]} .