تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانٗا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ أَفَلَمۡ يَاْيۡـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ} (31)

{ ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد31 } .

المفردات :

سيرت به الجبال : أزيلت من أماكنها .

ييأس : بمعنى : يعلم ، كما حكاه القشيري عن ابن عباس ، وذكره بهذا المعنى الجوهري في الصحاح ، ويرى هذا الرأي مجاهد ، والحسن ، وأبو عبيدة ، وأنشد في ذلك أبو عبيدة لمالك ابن عوف النصري :

أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني : *** ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم

وييسرونني من الميسر ويروى : يأسرونني من الأسر انظر القرطبي : وقال رباح بن عدي :

ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه *** وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا

وهو بهذا المعنى في لغة النخع كما حكاه الفراء عن الكلبي انظر القرطبي وقيل : في لغة هوازن ، كما قاله القاسم بن معن ، وسيأتي لذلك مزيد بيان في التفسير .

قارعة : مصيبة من قرعه ؛ إذا أصابه ، والأصل في القرع : الضرب ؛ فكأنها إذ تصيبهم ؛ تدق قلوبهم وتضربها .

التفسير :

31 { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا . . . }الآية .

جاء في تفسير الطبري وابن كثير والشوكاني وغيرهم :

ما روي عن ابن عباس : أن نفرا من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن سرك أن نتبعك ؛ فسير لنا جبال مكة بالقرآن ، فأذهبها عنا ؛ حتى تتسع أرضنا الضيقة ، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا ؛ حتى نغرس ونزرع ، فلست بأهون على ربك من داود حين سخر له الجبال تسير معه ، وسخر لنا الريح فنركبها إلى الشام ؛ نقضي عليها حوائجنا ثم نرجع من يومنا ؛ فقد سخرت الريح لسليمان ، وأرنا أشياخنا الأول من الموتى ؛ نكلمهم ونسألهم ، أحق ما تقول أم باطل ؛ فإن عيسى كان يحيي الموتى ولست بأهون على الله منه ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والآيات التي قبلها ؛ للرد عليهم . xxxiv ، وجواب لو محذوف يفهم من السياق .

والمعنى : لو ثبت أن كتابا سيرت بتلاوته الجبال .

{ أو قطعت به الأرض } . أي : شققت وجعلت أنهارا وعيونا .

{ أو كلم به الموتى } . أو كلم أحد به الموتى في قبورهم ؛ بأن أحياهم بقراءته فتكلم معهم .

لو أن كتابا مقروءا كان من وظيفته أن يفعل ذلك ؛ لكان هذا القرآن ؛ لكونه مشتملا على الغاية القصوى في الهداية والتذكير ، والترغيب والترهيب .

والمقصود : بيان عظمة القرآن ، وأن من شأنه أن يرقق القلوب وأن يهدي النفوس ، وأن يصلح الأفراد والجماعات كما قال عز شأنه : { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون } . ( الحشر : 21 ) .

ويجوز أن يكون المعنى :

لو أن كتابا فعلت بواسطته هذه الأفاعيل العجيبة : من إحياء الموتى ، وزحزحة الجبال ؛ لما آمنوا ؛ لفرط عنادهم ، وغلوهم في مكابرتهم ، وهذا بمعنى قوله تعالى : { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون } . ( الأنعام : 111 ) .

{ بل لله الأمر جميعا } .

أي : أن الله قادر على أن يأتي بمثل هذه الآيات التي اقترحها المشركون ، لكن الإرادة لم تتعلق بذلك ؛ لأنها اقتراحات صادرة عن التشهي والهوى ، والتمادي في الضلال ، والمكابرة والعناد ، ولو أجيبوا إلى مقترحاتهم ؛ لكفروا وكذبوا وعاندوا .

{ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا } .

أي : أفلم يعلم ويتبين ويتيقن الذين آمنوا : أن الله لو شاء هداية الناس أجمعين ؛ لهداهم من غير أن يشاهدوا الآيات ؛ لكنه لم يشأ ذلك ليتميز الخبيث من الطيب .

ويجوز أن يكون المعنى :

{ أفلم ييأس الذين آمنوا } . من إيمان جميع الخلق ، ويعلموا ويتبينوا : أن الله لو شاء هداية الناس جميعا ؛ لفعل ، ولكنه جعل سبيل الهداية إلى الحق اختيار العبد وفعله ، بعد أن يسر الله له أسبابها وأزاح موانعها .

ذكر السيوطي في تفسيره : أن بعض الصحابة قالوا للرسول صلى اله عليه وسلم : اطلب للمشركين ما اقترحوه ؛ عسى أن يؤمنوا . اه .

لقد مرت البشرية بأطوار سابقة ، وجاءت بعض الرسل بمعجزات مادية ملموسة ؛ كناقة صالح ، وعصا موسى التي ضرب بها الحجر فتفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، وكان عيسى يشفي المرضى بإذن الله ويحيي الموتى بإذن الله .

وفي رسالة الإسلام الخالدة ، ورسالة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم ، أراد الله أن تكون المعجزة التي تم بها التحدي والإعجاز : القرآن الذي اشتمل على صنوف البلاغة ، وألوان الإعجاز والهداية والبيان ، وأخبار السابقين ، ونواميس الكون ، وسبل التقدم .

صحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له معجزات في مكة والمدينة ، مثل : الإسراء والمعراج في مكة ، ومثل : نبع الماء من بين أصابعه ، وتكثير الطعام في الجيش ، وشفاء بعض المرضى في المدينة ، لكن ذلك لم يكن على سبيل التحدي .

كان القرآن وحده هو المعجزة الخالدة ، التي تحدى بها الله العرب والعجم والناس أجمعين ، وسيظل معجزة خالدة إلى يوم الدين ، مع أن المعجزات السابقة لم يشاهدها إلا أهلها ، وكانت أمرا خارجا عن الرسالة ؛ لكن هذا القرآن يشاهده الناس الآن وغدا إلى ما شاء الله ، والقرآن في نفس الوقت هو عين الرسالة وحقيقتها ، وهو الدليل على صدقها .

روى البخاري في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة )xxxv .

{ ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله } .

ولا يزال الذين كفروا تصيبهم البلايا والرزايا ؛ والقوا رع التي تقرع القلوب بأهوالها . وفي هذا إشارة إلى ما نزل بهم في غزوة بدر وغيرها من الأسر والقتل .

{ أو تحل قريبا من دارهم } .

كما حدث في صلح الحديبية ؛ فقد كانت سببا في تقدم الإسلام ، وزلزلة أقدام المشركين .

{ حتى يأتي وعد الله } . بفتح مكة أو انتصار الإسلام ، ودخول الناس في دين الله أفواجا .

{ إن الله لا يخلف الميعاد } .

إن الله سبحانه منجز وعده لرسوله وللمسلمين بالنصر ، قال تعالى : { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام } . ( إبراهيم : 47 ) .

من تفسير الطبري

قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذا : ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن كان سيرت به الجبال ؛ لسير بهذا القرآن ، أو قطعت به الأرض ، لقطعت بهذا ، أو كلم به الموتى ؛ لكلم بهذا ، ولكن لم يفعل ذلك بقرآن قبل هذا القرآن فيفعل بهذا ، { بل لله الأمر جميعا } . يقول : ذلك كله إليه وبيده ، يهدي من يشاء إلى الإيمان فيوفقه له ، ويضل من يشاء فيخذله .

أفلم يتبين الذين آمنوا بالله وبرسوله ، إذ طمعوا في إجابتي من سأل نبيهم : تسير الجبال عنهم ، وتقريب أرض الشام عليهم ، وإحياء موتاهم ، أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا إلى الإيمان ، من غير إيجاد آية ، ولا إحداث شيء مما سألوا إحداثه ؟ ! يقول تعالى ذكره : فما معنى محبتهم ذلك ، مع علمهم بأن الهداية والإهلاك إليّ وبيدي ، أنزلت آية أو لم أنزلها ، أهدي من أشاء بغير إنزال آية ، وأضل من أردت مع إنزالهاxxxvi .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانٗا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ أَفَلَمۡ يَاْيۡـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ} (31)

{ 31 } { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ }

يقول تعالى مبينا فضل القرآن الكريم على سائر الكتب المنزلة : { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا } من الكتب الإلهية { سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ } عن أماكنها { أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ } جنانا وأنهارا { أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى } لكان هذا القرآن . { بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا } فيأتي بالآيات التي تقتضيها حكمته ، فما بال المكذبين يقترحون من الآيات ما يقترحون ؟ فهل لهم أو لغيرهم من الأمر شيء ؟ .

{ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا } فليعلموا أنه قادر على هدايتهم جميعا ولكنه لا يشاء ذلك ، بل يهدي من يشاء ، ويضل من يشاء { وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا } على كفرهم ، لا يعتبرون ولا يتعظون ، والله تعالى يوالي عليهم القوارع التي تصيبهم في ديارهم أو تحل قريبا منها ، وهم مصرون على كفرهم { حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ } الذي وعدهم به ، لنزول العذاب المتصل الذي لا يمكن رفعه ، { إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } وهذا تهديد لهم وتخويف من نزول ما وعدهم الله به على كفرهم وعنادهم وظلمهم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانٗا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ أَفَلَمۡ يَاْيۡـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ} (31)

ثم أشار - سبحانه - إلى عظمة هذا القرآن الذي أوحاه إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال : { وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى . . . } .

والمراد بالقرآن هنا : معناه اللغوى ، أى الكلام المقروء .

وجواب لو محذوف لدلالة المقام عليه .

والمعنى : ولو أن كتابا مقروءا من الكتب السماوية ، { سُيِّرَتْ بِهِ الجبال } أى : تحركت من أماكنها ، { أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض } أى شققت وصارت قطعا ، { أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى } بأن يعودوا إلى الحياة بعد قراءته عليهم .

ولو أن كتابا مقروءا كان من وظيفته أن يفعل ذلك لكان هذا القرآن ، لكونه الغاية القصوى في الهداية والتذكير ، والنهاية العظمى في الترغيب والترهيب .

وعلى هذا المعنى يكون الغرض من الآية الكريمة بيان عظم شأن القرآن الكريم ، وإبطال رأى الكافرين الذين طلبوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - آية كونية سواه .

ويصح أن يكون المعنى : ولو أن كتابا مقروءا من الكتب السماوية نزل عليك يا محمد فسيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ، لما آمن هؤلاء المعاندون .

قال - تعالى - : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله . . . } وعلى هذا المعنى يكون المقصود من الآية الكريمة ، بيان غلوهم في العناد والطغيان ، وتماديهم في الكفر والضلال ، وأن سبب عدم إيمانهم ليس مرده إلى عدم ظهور الدلائل الدالة على صدقه - صلى الله عليه وسلم - وإنما سببه الحسد والعناد والمكابرة .

ووجه تخصيص هذه الأشياء الثلاثة من بين الخوارق التي طلبوها منه - صلى الله عليه وسلم - ما ذكره الإِمام ابن كثير من أن المشركين قالوا للنبى - صلى الله عليه وسلم - : يا محمد ، لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها ، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح ، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيى الموتى لقومه ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية .

وقوله - سبحانه - { بَل للَّهِ الأمر جَمِيعاً } إضراب عن مطالبهم المتعنتة إلى بيان أن الأمور كلها بيد الله ، وأن قدرته - سبحانه - لا يعجزها شئ .

أى : إن الله - تعالى - لا يعجزه أن يأتى بالمقترحات التي اقترحوها ، ولكن إرادته - سبحانه - لم تتعلق بما اقترحوه ، لعلمه - سبحانه - بعتوهم ونفورهم عن الحق مهما أوتوا من آيات .

وقوله - سبحانه - : { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً } تيئيس للمؤمنين من استجابة أولئك الجاحدين للحق ، إلا أن شاء الله لهم الهداية ، والاستفهام للإِنكار ، وأصل اليأسك قطع الطمع في الشئ والقنوط من حصوله .

وللعلماء في تفسير هذه الجملة الكريمة اتجاهان :

أحدهما يرى أصحابه أن الفعل ييأس على معناه الحقيقى وهو قطع الطمع في الشئ ، وعليه يكون المعنى : أفلم ييأس على معناه الحقيقى وهو قطع في الشئ ، وعليه يكون المعنى : أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان كفار قريش ، ويعلموا أن الله - تعالى - لو يشاء هداية الناس جميعا لاهتدوا ، ولكنه لم يشأ ذلك ، ليتميزا الخبيث من الطيب .

وعلى هذا الاتجاه سار الإِمام ابن كثير فقد قال - رحمه الله - : وقوله - تعالى { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا } أى : من إيمان جميع الخلق ويعلموا أن يتبينوا { أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً } فإنه ليس هناك حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في النفوس والعقول من هذا القرآن ، الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله .

وثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما من نبى إلا وقد أوتى ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلى ، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " .

ويؤيد هذا الاتجاه ما ذكره السيوطى في تفسيره من أن بعض الصحابة قالوا للرسول - صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ، اطلب لهم - أى للمشركين ، ما اقترحوه عسى أن يؤمنوا .

أما الاتجاه فيرى أصحابه أن الفعل ييأس بمعنى يعلم ، وعليه يكون المعنى : أفلم يعلم المؤمنون أنه - سبحانه - لو شاء هداية الناس جميعا لآمنوا .

وهذا الاتجاه صدر به الآلوسى تفسيره فقال ما ملخصه :

ومعنى قوله - سبحانه - : { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا } أفلم يعلموا ، وهى كما قال القاسم بن معن لغة هوازن ، وقال الكلبى هي لغة حى من النخع ، وأنشدوا على ذلك قول سيحم بن وئيل الرباحى :

أقول لهم بالشعب إذ يأسروننى . . . ألم ييأسوا أنى ابن فارس زهدم

وقول رباح بن عدى :

ألم ييأس الأقوام أنى أنا ابنه . . . وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا

والظاهر أن استعمال اليأس في ذلك حقيقه .

وقيل مجاز لأنه متضمن للعلم فإن الآيس عن الشئ عالم بأنه لا يكون . .

والفاء للعطف على مقدر . أى : أغفلوا عن كون الأمر جميعه لله - تعالى - فلم يعلموا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا . .

ثم حذر - سبحانه - الكافرين من التمادى في كفرهم ، وبشر المؤمنين بحسن العاقبة فقال - تعالى - : { وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حتى يَأْتِيَ وَعْدُ الله إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } .

والقارعة : من القرع ، وهو ضرب الئ بشئ آخر بقوة وجمعها قوارع .

والمراد بها : الرزية والمصيبة والكارثة .

أى : ولا يزال الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم تصيبهم بسبب ما صنعوه من الكفر والضلال " قارعة " أى مصيبة تفجؤهم وتزعجهم أو تحل تلك المصيبة في مكان قريب من دارهم ، فيتطاير شرها إليهم ، حتى يأتى وعد الله بهلاكهم وهزيمتهم ونصر المؤمنين عليهم ، إن الله - تعالى - لا يخلف الميعاد ، أى : موعوده لرسله ولعباده المؤمنين .

وأبهم - سبحانه - ما يصيب الكافرين من قوارع ، لتهويله وبيان شدته .

والتعبير بقوله : { ولا يزال } يشير إلى أن ما أصابهم من قوارع كان موجودا قبل نزول هذه الآية ، واستمرت إصابته لهم بعد نزولها ، لأن الفعل { لا يزال } يدل علىا لإخبار باستمرار شئ واقع .

ولعل هذه الآية الكريمة كان نزولها في خلال سنى الجدب التي حلت بقريش والتى أشار إليها القرآن بقوله : { فارتقب يَوْمَ تَأْتِي السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ . يَغْشَى الناس هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ . . . } وعبر - سبحانه - عما أصابهم من بلاء بالقارعة ، للمبالغة في شدته وقوته ، حتى إنه ليقرع قلوبهم فجأة فيبتهتهم ويزعجهم ، ولذلك سميت القيامة بالقارعة ، لأنها تقرع القلوب بأهوالها .

وقال - سبحانه - : { أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ } لبيان أنهم بين أمرين أحلاهما مُرّ لأن القارعة إما أن تصيبهم بما يكرهونه ويتألمون له ، وإما أن تنزل قريبا منهم فتفزعهم ، وتقلق أمنهم ، وهم مستمرون على ذلك حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا .

ولقد قضى الله - تعالى - أمره ، بهزيمتهم في بدر وفى غيرهم ، وأتم نصره على المؤمنين بفتح مكة . وبدخول الناس في دين الله أفواجا .