{ قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمنّ على من يشاء من عباده . . . }الآية .
أي : قال الرسل لأممهم : نحن حقا بشر مثلكم ، نأكل ونشرب ونسير في الأسواق ، لكن هذا لا يمنع من أن يتفضل الله على بعض عباده ، بالنبوة والرسالة فهي منحة إلهية ، يختار الله لها من هم أهل لذلك ، ولا تنال بالكسب ولا بالعبادة .
جاء في منظومة الجوهرة للشيخ/ اللقاني :
ولم تكن نبوة مكتسبة *** ولو رقى في الخير أعلا عقبه
بل ذاك فضل الله يعطيه من يشاء جلّ الله واهب المنن
وقد أراد الله أن تكون الرسل من جنس البشر ؛ لتكون القدوة العملية متيسرة ، أما إذا كان الرسول ملكا من الملائكة ، وخالفه المشركون ؛ أمكن القضاء عليهم مباشرة ، والله يريد أن يتمتع البشر بفرصة كافية ؛ للتأمل والتفكر وتقليب وجهات النظر ، قال تعالى : { وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون* ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون }( الأنعام : 9 ، 8 ) .
{ وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله } .
أما المعجزة الباهرة التي طلبتموها ؛ فليس لنا سبيل إلى تحقيقها ؛ لأننا بشر نحمل رسالة إلى الناس ، والله سبحانه هو الذي يؤيدنا بالمعجزة بإذنه وأمره ، وليس في مقدورنا إتيان المعجزات إلى قومنا ؛ إلا إذا كان ذلك بأمر الله وتقديره .
{ وعلى الله فليتوكل المؤمنون } .
ليس أمامنا إلا التوكل على الله ، والاعتماد عليه وحده ؛ فهو الخالق القادر القوي الفعّال لما يريد ، ونحن نلجأ إليه متوكلين عليه ، أمام كفركم وعنادكم .
{ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ } مجيبين عن اقتراحهم واعتراضهم : { إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ } أي : صحيح وحقيقة أنا بشر مثلكم ، { وَلَكِنْ } ليس في ذلك ما يدفع ما جئنا به من الحق فإن { اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } فإذا من الله علينا بوحيه ورسالته ، فذلك فضله وإحسانه ، وليس لأحد أن يحجر على الله فضله ويمنعه من تفضله .
فانظروا ما جئناكم به فإن كان حقا فاقبلوه وإن كان غير ذلك فردوه ولا تجعلوا حالنا حجة لكم على رد ما جئناكم به ، وقولكم : { فأتونا بسلطان مبين } فإن هذا ليس بأيدينا وليس لنا من الأمر شيء .
{ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } فهو الذي إن شاء جاءكم به ، وإن شاء لم يأتكم به وهو لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته ورحمته ، { وَعَلَى اللَّهِ } لا على غيره { فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } فيعتمدون عليه في جلب مصالحهم ودفع مضارهم لعلمهم بتمام كفايته وكمال قدرته وعميم إحسانه ، ويثقون به في تيسير ذلك وبحسب ما معهم من الإيمان يكون توكلهم .
فعلم بهذا وجوب التوكل ، وأنه من لوازم الإيمان ، ومن العبادات الكبار التي يحبها الله ويرضاها ، لتوقف سائر العبادات عليه ،
وهنا يحكى القرآن أن الرسل - عليهم السلام - قد قابلوا هذه السفه من أقوالهم بالمنطق الحكيم ، وبالأسلوب المهذب فيقول : { قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ . . } .
أى : قال الرسل لمكذبيهم على سبيل الإِرشاد والتنبيه : نحن نوافقكم كل الموافقة على أننا بشر مثلكم كما قلتم ، ولكن هذه المماثلة بيننا وبينكم فى البشرية ، لا تمنع من أن يتفضل الله على من يشاء التفضل عليه من عباده ، بأن يمنحه النبوة أو غيرها من نعمه التى لا تحصى .
فأنت ترى أن الرسل - عليهم السلام - قد سلموا للمكذبين دعواهم المماثلة فى البشرية ، فى أول الأمر ، ثم بعد ذلك بينوا لهم جهلهم وسوء تفكيرهم ، بأن أفهومهم بطريق الاستدراك ، أن المشاركة فى الجنس لا تمنع التفاضل ، فالبشر كلهم عباد الله ، ولكنه - سبحانه - يمن على بعضهم بنعم لم يعطها لسواهم .
فالمقصود بالاستدارك دفع ما توهمه المكذبون ، من كون المماثلة فى البشرية تمنع اختصاص بعض البشر بالنبوة .
قال الآلوسى : قوله - تعالى - : { قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ } مجاراة لأول مقالتهم { إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } كما تقولون ، وهذا كالقول بالموجب ، لأن فيه إطماعا فى الموافقة ، ثم كروا على قولهم بالإِبطال فقالوا : { ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } .
أى : إنما ختصنا الله - تعالى - بالرسالة بفضل منه وامتنان ، والبشرية غير ما نعة لمشيئته - جل وعلا - . وفيه دليل على أن الرسالة عطائية ، وأن ترجيح بعض الجائز على بعض بمشيئته - تعالى - ولا يخفى ما فى العدول عن { ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } ، إلى ما فى النظم الجليل منهم - عليهم السلام - .
وقوله - سبحانه - : { وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } حكاية لرد الرسل على قول المكذبين { فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } .
أى : وقال الرسل للمكذبين من أقوامهم - أيضاً - : وما صح وما استقام لنا نحل الرسل أن نأتيكم - أيها الضالون - بحجة من الحجج ، أو بخارق من الخوارق التى تقترحونها علينا ، إلا بإذن الله وإرادته وأمره لنا بالإِتيان بما اقترحتم ، فنحن عباده ولا نتصرف إلا بإذنه .
ثم أكد الرسل تمسكهم بالمضى فى دعوتهم فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } .
والتوكل على الله معناه : الاعتماد عليه ، وتفويض الأمور إليه ، مع مباشرة الأسباب التى أمر - سبحانه - بمباشرتها .
أى : وعلى الله وحده دون أحد سواه ، فيتوكل المؤمنون ، الصادقون ، دون أن يعبأوا بعنادكم ولجاجكم ، ونحن الرسل على رأس هؤلاء المؤمنين الصادقين .
فالجملة الكريمة أمر من الرسل لمن آمن من قومهم بالتوكل على الله وحده ، وقد قصدوا بهذا الأمر أنفسهم قصدا أوليا ، بدليل قولهم بعد ذلك - كما حكى القرآن عنهم - { وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.