تسكنون فيه : تهدأون فيه وتستريحون .
72-{ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون } .
ثم تلمس السورة القلوب والأفئدة ، والعقول والخيال ، فلو تخيل الإنسان أن الحياة نهار دائم مستمر ، لا ليل فيه ولا ظلام ، ولا سكن ولا هدوء ، حينئذ تتأثر أعصاب الناس من كثرة الضوء والعمل ، ومن قلة الهدوء والظلام ، وفي ليالي الشتاء الطويلة يشتاق الناس إلى طلوع الفجر ، ثم طلوع الشمس ثم الحركة والسعي ، وكذلك في نهار الصيف القائظ يضيق الناس بالهجير والحرارة والضوء ، ويشتاقون إلى نسيم الليل وهدوئه وراحته ، مع أن الليل محدود في الشتاء ، والنهار محدود في الصيف ، لكن إذا طال الليل قليلا زاد الحنين إلى النهار ، وإذا طال النهار قليلا اشتد الحنين إلى الليل .
أخبروني إن جعل الله عليكم النهار سرمدا مستمرا دائما أبدا إلى يوم القيامة ، هل يوجد صنم أو وثن أو إله آخر غير الله يستطيع أن يأتيكم بليل يكون لكم سكنا وراحة ، ونوما وهدوءا ، أفلا تنظرون بعيونكم ، وتتأملون ضياء النهار ، وانسحاب الظلام ، كما قال سبحانه : { والليل إذا أدبر* والصبح إذا أسفر* إنها لإحدى الكبر } [ المدثر : 33-35 ] .
عندما تحدث الله عن استمرار الليل قال : { أفلا تسمعون } لأن الإنسان إذا كان في الظلام يعتمد على حاسة السمع ، وهي حاسة لا تنام ، وقد وردت في القرآن قبل البصر لأنها وسيلة الفكر والتعلم .
وعندما تحدث القرآن عن استمرار النهار قال : { آفلا تبصرون } لأن الإنسان في النهار يستخدم البصر في رؤية ما حوله .
{ أفلا تبصرون } الشواهد المنصوبة الدالة على القدرة الكاملة ، لتقفوا على أن غير الله لا قدرة له على ذلك ، فإذا أقررتم بأنه لا يقدر على الإتيان بالليل والنهار غير الله ، فلم تشركون ؟ اه .
ونلاحظ أنه لم يجتمع السمع والبصر في كتاب الله إلا وقدم السمع على البصر .
قال تعالى : { وهو الذي أنشأكم لكم السمع والأبصار والأفئدة . . } [ المؤمنون : 78 ] .
وقال تعالى : { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } [ الإسراء : 36 ] .
وقد ذكر العلماء والمحدثون أن السمع أول حاسة تؤدي وظيفتها في الدنيا ، وهو أداة الاستدعاء في الآخرة ، ولأن الأذن لا تنام ، فالسمع أسبق وأنفع وأدومxxviii .
السرمد : الدائم الذى لا ينقطع ، والمراد به هنا : دوام الزمان من ليل أو نهار .
والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس ليعتبروا ويتعظوا وينتبهوا إلى مظاهر قدرتنا ورحمتنا ، أخبرونى ماذا كان يحصل لكم إن جعل الله - تعالى - عليكم الزمان ليلا دائما إلى يوم القيامة ، { مَنْ إله غَيْرُ الله } - تعالى - { يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ } تبصرون عن طريقه عجائب هذا الكون ، وتقضون فيه حوائجكم { أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } ما أرشدناكم إليه سماع تدبر وتفهم واعتبار يهديكم إلى طاعة الله - تعالى - وشكره على نعمه .
ثم قال لهم : أخبرونى بعد ذلك ، لو جعل الله - تعالى - عليكم الزمان ضياء دائما إلى يوم القيامة { مَنْ إله غَيْرُ الله } - تعالى - { يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ } أى : تستريحون فيه من عناء العمل والكد والتعب بالنهار { أَفلاَ تُبْصِرُونَ } أى : أفلا تبصرون هذه الدلائل الساطعة الدالة على قدرة الله - تعالى - ورأفته بكم .
إن دوام الزمان على هيئة واحدة من ليل أو نهار ، يؤدى إلى اختلال الحياة ، وعدم توفر أسباب المعيشة السليمة لكم ، بل ربما أدى إلى هلاككم .
إن المشاهد من أحوال الناس ، أنهم مع وجود الليل لساعات محدودة ، يشتافون لطلوع الفجر ، لقضاء مصالحهم ، ومع وجود النهار لساعات محدودة - أيضا - يتطلعون إلى حلول الليل ، ليستريحوا فيه من عناء العمل .
وختم - سبحانه - الآية الأولى بقوله : { أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } لأن حاسة السمع - فيما لو كان الليل سرمدا - هى أكثر الحواس استعمالا فى تلك الحالة المفترضة ، وختم الآية الثانية بقوله : { أَفلاَ تُبْصِرُونَ } ، لأن حاسة البصر - فيما لو كان النهار سرمدا - من أكثر الحواس استعمالا فى هذه الحالة .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل : بنهار تتصرفون فيه ، كما قيل " بليل تسكنون فيه " ؟
قلت ذكر الضياء - هو ضوء الشمس - لأن المنافع التى تتعلق به متكاثرة ، ليس التصرف فى المعاش وحده ، والظلام ليس بتلك المنزلة .
قوله : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ } وكذلك لهؤلاء المشركين المعرضين : أرأيتم لو جعل الله عليكم النهار سرمدا ، أي دائما ، لا يتحول ولا يتبدل إلى يوم القيامة فمن من أحد غير الله يأتيكم بليل ترقدون فيه وتهجعون وتستريحون من نصب الدنيا ومتاعبها ؟ .
قوله : { أَفَلا تُبْصِرُونَ } أفلا ترون بأبصاركم ما في تعاقب الليل والنهار من النعم عليكم والرحمة بكم ، لتستيقنوا أن الله وحده الخالق المدبر المنان ، الجدير وحده بالعبادة والإفراد بالوحدانية .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.